رأيتُ بعض المنشورات تُعبِّر عن صدمتها من هذا التصريح، مع أن الرجل في نظري محق؛ فسوريا لا تمتلك مقومات الغلبة بتاتًا، لا قبل الثورة، ولا سيما بعدها. ولو أنه لم يزايد على النظام السابق في قضية فلسطين، ولم يتاجر بآلام شعبنا في سبيل كسب الدعم بالمال والعتاد والرجال، لما استحق هذا القدر من السخرية التي تلقاها، ولا يزال يتلقاها. أليس هو من كان يقاتل في الشام وعيناه على بيت المقدس؟ أوَلم تكن القدس -بإذن الله- تنتظره؟
ومع ذلك، فليس هو الملام؛ بل نحن أولى باللوم. فطالما حكمتنا العاطفة، وأحسنَّا الظن بـ «إخواننا المسلمين»، حتى خرج معتوهنا عبد الله عزام يدعو الشعب إلى ترك المنظمة العلمانية، حاثًا على القتال ضد السوفييت الكفرة في سبيل الله (تُقرَأ: خدمة لمصالح الأمريكان -المؤمنين؟-)، زاعمًا أن إخواننا الأفغان سيهبّون لنصرتنا بعد هزيمتهم لعدوهم. فما نصرونا، وما كانوا لنا من ناصرين!
ثم أثمر عتهه حتى ظهرت حركة تحالفت مع أقصى اليمين الإسرائيلي (ويسارهم يمين)، وظنت أنها قادرة على توجيهه، بينما كانت -في واقع الأمر- أداةً من أدواته ضد شعبنا. ثم أقدمت على فعل بلا أدنى تقدير سياسي، معلقةً آمالها على أمةٍ وُصفت من قبل أنها غثاء، حتى إذا حلت الكارثة لم تزل تزايد وتتاجر بلا حياء!
غير أن هذه الآفة التي ابتلينا بها لم تفرق بين مسلم ومسيحي؛ فترى وائل حلاق مثلا أضحى من أكبر منظريهم مع أنه من غير دينهم؛ وبالقدر نفسه من النفاق لا تراه قادرا على التخلي عن منتجات الحداثة في الغرب مع دفاعه عن الرجعية في وطنه، فهل يرتضي أن يكون قدر شعبه عينَ مصير السكان الأصليين للعالم الجديد؛ حيث كان تخلفهم المفصل في هزيمتهم وإبادتهم؟
فمتى نفيق من هذه الغفلة، وندرك أننا -في نهاية المطاف- وحدنا في هذا العالم؟ ومتى نستوعب أن كسب الغرب إلى جانبنا شرطٌ ضروري لبقائنا، وللحفاظ على وجودنا في أرضنا؟ أما تلك الدول -حكوماتٍ وشعوبًا- التي تدّعي معاداة الغرب عندما تكون قضيتنا موضع النقاش، تراهم في الواقع مرتمين في أحضانه؛ ترتبط معه بعلاقات اقتصادية وثقافية وسياسية، بل وعسكرية أيضًا. فمنها من ينتمي إلى حلف «الناتو»، مع ادعائه أن حكمه خلافة، ومنها من يستضيف قواعد عسكرية أجنبية تملؤها الجنود والمدرعات، ومنها يكون خبز التموين فيها مدعوما من المال الأمريكي حتى يتسنى لها بناء جيشها، وغيرها من الأمثلة الكثير ما لا يسعه كتاب فكيف بمنشور؟ ولعل الإشارة إلى تحالف الأفغان سابق الذكر مع الأمريكان ضد السوفييت، واصطفاف البوسنيين مع «الناتو» ضد الصرب، تكفي للدلالة على المقصود.
لقد سمحنا لغيرنا أن يستغل قضيتنا ليتكسب منها وليبتز الشرق والغرب باسمنا لمصلحته هو، فمتى سنصبح واقعيين في إدارة أمورنا؛ فنحركهم كما حركونا؟ ونجلب مصلحتنا عن طريقهم كما طلبوا منفعتهم على حسابنا؟ أم أنا سنبقى على حالنا متخلفين؟
باختصار... متى سنصبح سياسيين؟!








