عرضها: من أبرز أساليب الطعن في منهج المحدّثين دعوى أنّ نقدهم انصبَّ على الأسانيد وحدها دون المتون، فوقع التعارض بين القرآن وأحاديثَ صحّحها البخاري وغيره؛ ومتى وقع التعارض وجب ردُّ الحديث لأنّ القرآن قطعيُّ الثبوت. واستدلّوا بـ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ و﴿تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ على استقلال القرآن بالبيان، وبـ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ على أنّ الحفظ للقرآن دون السنّة، وبحديث: «ما أتاكم عنّي يوافق القرآن فهو عنّي، وما خالف القرآن فليس عنّي».
الردّ:
أولًا: القرآنُ نفسه أوجب التحاكم إلى السنّة: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. قال ابن القيّم: «طاعة الرسول تجب استقلالًا من غير عرض ما أمر به على الكتاب… فإنه أُوتي الكتاب ومثله معه». فالأصل أنه لا حديثَ صحيحًا ثابتًا يعارض محكمَ القرآن معارضةً صريحة؛ فمن ظنّ ذلك فإمّا أنّ الحديث غير صحيح، وإمّا أنّ الفهم غير سليم.
ثانيًا: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ﴾ المرادُ به اللوحُ المحفوظ في قول أكثر العلماء، ويشهد له سياقُ الآية ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ…﴾. وأمّا كونه تبيانًا لكل شيء فحقٌّ، لكنّ البيان منه عامٌّ وخاصّ، ومطلقٌ ومقيَّد، ومجملٌ ومبيَّن، وتفصيلُه تكفّلت به السنّة. قال الخطّابي: «فمن جمع بين الكتاب والسنّة فقد استوفى وجهي البيان».
ثالثًا: «الذِّكر» لفظٌ عامٌّ يشمل القرآن وغيره، وتخصيصُه بالقرآن دعوى بلا دليل. ووظيفةُ السنّة بيانُ القرآن ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾؛ فإذا لم يكن البيانُ محفوظًا بطل الانتفاعُ بالمبيَّن. قال ابن حزم: «إذا كان بيانه ﷺ للمجمل غير محفوظ ولا مضمون سلامته، فقد بطل الانتفاع بنصّ القرآن، فبطلت أكثر الشرائع المفترضة علينا فيه».
رابعًا: جعلُ الموافقة والمخالفة ميزانًا للقبول والردّ باطلٌ؛ إذ يلزم منه قبولُ الضعيف بل الموضوع إذا وافق القرآن. ثم إنّ في السنّة الصحيحة أحكامًا لا نصَّ عليها في القرآن باتفاق أهل العلم — كتحريم الجمع بين المرأة وعمّتها، وتحريم الحُمُر الأهلية، وميراث الجدّة السدس — وهي مقبولةٌ معمولٌ بها؛ فالزيادةُ على النصّ تشريعٌ وبيان، لا معارضةً ولا نقضًا.
خامسًا: حديثُ العرض نفسُه ضعيف؛ أخرجه البيهقي في «معرفة السنن والآثار» (١/١١٨) وقال: «هذه الرواية منقطعة، وقد رُوي من أوجهٍ أخر كلُّها ضعيف». فالميزانُ الذي أرادوا أن يزنوا به الصحيحَ لا يثبت في نفسه.
الخلاصة: الشبهة قائمةٌ على مقدّمتين منهارتين: استقلالِ القرآن بالبيان، واختصاصِه بالحفظ. والقاعدة المحرَّرة: ما ثبت عن النبي ﷺ لا يعارض محكمَ القرآن؛ فمن وجد تعارضًا فليراجع ثبوتَ الحديث أو فهمَه له.
إعلام الموقّعين (٢/٨٩)؛ معالم السنن (١/٨)؛ الإحكام لابن حزم (١/١٢١–١٢٢)؛ أضواء البيان (٦/٢٩٢)؛ معرفة السنن والآثار (١/١١٨)؛ السنّة ومكانتها للسباعي (ص ١٦٢)؛ الاتجاه العلماني المعاصر في دراسة السنّة، لغازي الشمري (ص ٤٤٩–٤٦١).
https://t.me/glaaedhadithiya







