فإن اتفق في مكانٍ ما، بجَورِ الأزمنة، أن دَرَسَت الفلسفةُ وبَليَت،… — تَأصِيلُ النَظر — TG.ME

لِـوَاءُ الـھُـدَىٰ فِـي الـلَّـيْـلِ والـدُّجَـىٰ"إن كانت وظائف المقدمة هي تلك التي يُلقيها أهلُ الخطابة، ويذكرها أرسطو في المقالة الثالثة من كتاب الخطابة، في الفصل الثالث عشر، أعني أن تجعل السامع ودوداً منتبهاً سَلِسَ الانقياد للتعليم، فإن كاتب الفلسفة لا يستعمل المقدمة بوجهٍ من الوجوه. وليس له في الحقّ…
= فإن اتفق في مكانٍ ما، بجَورِ الأزمنة، أن دَرَسَت الفلسفةُ وبَليَت، كما يعرض ذلك أحياناً لأممٍ بأسرها، تضيع عندها العلوم بسبب الحروب أو غيرها من النوازل العظام أيّاً كانت، ثم لا تعود إلى الحياة إلا بعد زمانٍ طويل، أو يكون ذلك لمنع الطغاة إياها، أو لأي سببٍ آخر كائناً ما كان، فإن الفلسفة حينئذٍ أيضاً لا تنصرف إلى الملاهي والملذّات لتُلهب بها تلك النفوس بمحبتها، لئلا تكون، وهي تجتهد في اجتذاب قومٍ إليها، قد حطّت كثيراً من جلالها، بل تعرض نفسها عليهم للنظر فحسب، وتُوكِل هذه العناية إلى ابنتها التي ولدتها، أعني صناعة الخطابة، لتُنقّي هي النفوس بأصباغها الخاصة، وتستميلها إلى محبتها.

فبالجملة إذن، ليس ينبغي، حين تُصنَّف الأعمال الفلسفية، أن يُجتهد في اصطياد الودّ؛ ولذلك ليس من شأن المقدمة الفلسفية أن تهتم باكتساب الودّ.

والقولُ في الانتباه وسلاسة الانقياد للتعليم كالقول في ذاك، وذلك يثبت على هذا الوجه بيُسر: فإن سلاسة الانقياد للتعليم، التي لا تعني عند الخطيب شيئاً سوى انفعال السامع واستعداده لأن يحتمل التعليم راضياً، مقترنةٌ بالانتباه؛ وكلاهما إنما يُكتسبان إما من جهة الأمور نفسها، وإما من جهة أنفسنا نحن.

فمن جهة الأمور، إذا عرضناها على أنها عظيمةٌ لذيذةٌ عجيبةٌ أو خاصةٌ بالسامعين.

ومن جهة أنفسنا، حين نجتهد نحن المتكلمون في أن نُحسَب صالحين معتدلين.

وليس واحدٌ من هذين لائقاً بكاتب الفلسفة.

أما سلاسة الانقياد فللخطيب أن يطلبها؛ لأنه إنما يحتاج إلى سامعٍ منفعلٍ نحوه زماناً يسيراً، فلذلك إن قدر بقوة الكلام على أن يستمع السامع راضياً إلى القضية التي يترافع فيها، فقد أفاد فائدةً غير قليلة.

وأما الفيلسوف فليس يبتغي سامعه سَلِسَ الانقياد زماناً يسيراً، بل مدى العمر كلّه تقريباً؛ ولذلك فإن سلاسة الانقياد التي يحتاج إليها الفيلسوف أعلقُ وأرفعُ من أن تُنال بقوة الخطابة؛ إذ لو نازعت الطبيعةُ أو العادةُ في ذلك، لكان الفيلسوف قد نظم المقدمة عبثاً لاكتساب سلاسة الانقياد.

وكذلك الانتباه، فإن نفس الأمر تكفي فيه، وليس ثمة ما يدعو إلى تأليف الكلام لاكتسابه، بل الأولى أن يُكتب على الكتب الفلسفية ذلك القول: "ابتعدوا، ابتعدوا أيها الدَّنِسون".

فليس إذن من الموافق للفيلسوف أن يطلب الانتباه ولا سلاسة الانقياد من جهة الأمر نفسه.

وأقلّ من ذلك بكثيرٍ أن يليق به أن يبتغي اصطيادهما من جهة نفسه؛ فإنه يليق بالفيلسوف أن يكون حكيماً صالحاً، لا أن يتباهى بالحكمة والصلاح، وهو أمرٌ لا يُمنع الخطيبُ أحياناً من فعله.

فإن كان الفلاسفة يعرضون شرفَ الموضوع ومنفعته وغير ذلك مما يُحدث الانتباه، وكذلك إن جرى منهم ذكرٌ لنحو البرهان وللترتيب، مما يُظنّ أنه يُحصّل سلاسة الانقياد، فإنهم إنما يفعلون ذلك بقصدٍ آخر بالحقيقة، على ما قد بُيِّن آنفاً.

وشرفُ الفلسفة بعيدٌ عن زخارف الخطابة، بل هو بعيدٌ عنها –أقول– إلى حدّ أنه قد أُمِر بالإمساك في التفلسف عن المشتركات والاستعارات؛ ولذلك فليس مما يُحمد كثيراً أن يُتقصَّى في صدور كتب الفلاسفة أجزاءُ المقدمات الخطابية تقصّياً بهذا الاجتهاد، كما يفعل قومٌ، إذ يتجاوزون ذلك إلى ما هو خارجٌ عن الأمر، فيَحمِلون على الفيلسوف آراءً خطابية حملاً رديئاً، ويكذبون في أشياء كثيرة.

على أن الخطابة لَخليقةٌ بأن تُعظَّم، وليست مما يُزري بالفيلسوف، بل هي أشدُّ ما تكون موافقةً للسياسي؛ فإنه يتشاور في العادل والنافع من الأفعال إن لم يقدر على أن يقود سائر الناس إلى رأيه، لأنه، إذ كان لا يستطيع تنفيذ ما أشار به من غير رضا الآخرين، يعرض كثيراً أن يستحسن كثيرٌ منهم، لأسبابٍ مختلفة، الرأيَ المضادّ، وإن كانوا صالحين.

ومقدارُ ما في تدبير المدينة من قوة الإقناع بالأمور الشريفة هو ما يقوله الفيلسوف في المقالة الخامسة من كتاب السياسة، في الفصل الخامس؛ حتى إن واضعي نواميس الأمم قد فزعوا أحياناً، وقد يئسوا من أنفسهم، إلى الآلهة، مكتسبين لأنفسهم الثقة عند العامة بسلطان أولئك، على ما لا يُجهَل من أمر نوما بومبيليوس.

فليست إذن صناعةُ القول أجنبيةً عن طلب الفلسفة، وهو ما يُظهره أعلامُ الفلاسفة، أفلاطون وأرسطو، اللذان عُنيا بها.

غير أن الطلبين ينبغي أن يُميَّز بينهما: فحيث يجب التفلسف، فلا وجه لأن تريد أن تصنع صنيعَ الخطيب، كما أنه ليس من الموافق حينئذٍ أن تتفلسف إذا كانت المناسبة تقتضي الخطيب."

قيصر القرموني
August 25, 2026 7