"إن كانت وظائف المقدمة هي تلك التي يُلقيها أهلُ الخطابة، ويذكرها أرسطو في المقالة الثالثة من كتاب الخطابة، في الفصل الثالث عشر، أعني أن تجعل السامع ودوداً منتبهاً سَلِسَ الانقياد للتعليم، فإن كاتب الفلسفة لا يستعمل المقدمة بوجهٍ من الوجوه.
وليس له في الحقّ أن يستعملها ليكتسب الودّ، إذ هو إما أن يريد أن يستجلب الودّ لنفسه من حيث هو كاتب، وإما أن يستجلبه للفلسفة.
فأما أن يريد استجلابه لنفسه من حيث هو كاتب، فليس ذلك بغير لائقٍ فحسب، بل هو أشدُّ الأشياء منافرةً وأحقُّها بالمقت، على ما يقتضيه رأي أفلاطون في محاورة طيماوس، ورأي أرسطو في المقالة الأولى من كتاب الأخلاق إلى نيقوماخس، في الفصل السادس، حيث يُعلِّم، بل يأمر أمراً، أنه لا ينبغي للمتفلسف أن ينساق بودّ أحدٍ كائناً من كان، بل عليه أن يتطلّب الحقيقة وحدها، مُطَّرِحاً كلَّ محبة، حتى إنه لا يُبقي على نفسه هو أيضاً.
وأما أن يريد أن يستجلب ذلك الودّ للفلسفة نفسها باستمالة السامعين إلى محبتها، فذلك أيضاً غير لائقٍ ألبتة؛ لأن الناس الذين من أجل إرضائهم يُحتمَل تعبُ تصنيف العلوم، إما أن يكونوا على الفطرة الإنسانية، وإما أن يكونوا على خلاف ذلك.
فإن كانوا على الفطرة الإنسانية، فلن يكون تعبُ كاتب الفلسفة، إذ يجتهد في حملهم على محبة الحكمة، إلا سخيفاً مضحكاً، كمن يجتهد في استمالة العين إلى محبة النور، بل إلى محبة الإبصار نفسه؛ فإن القول الأصدق هو: "إن جميع الناس بالطبع يشتاقون إلى العلم"، وأصدقُ من ذلك ما كُتب في الرسالة في الشعر، في الفصل الثاني، من أن التعلّم أَلَذُّ الأشياء، لا للفلاسفة وحدهم، بل ولسائر الناس أيضاً.
وليس بين المعارف كلها معرفةٌ أشدُّ طبيعيةً للإنسان من الفلسفة، وليس ثمة وقتٌ يظنّ الناس فيه أنهم يزدادون تعلّماً أكثرَ مما يظنون حين يحسبون أنهم قد نالوا معرفةً فلسفية، ولا سيما معرفةَ الحوادث الطبيعية؛ ولذلك فإن الطبيعة تدعو من ذاتها إلى الفلسفة دعاءً كافياً.
فمن ثَمّ تدعو الطبيعةُ إلى الفلسفة دعاءً كافياً من ذاتها، وليس هناك، بالقياس إلى الناس المفطورين على طبيعتهم، سببٌ لأن تُنظَم لأجل تحصيل ذلك زخارفُ الكلام نظماً باطلاً.
وأما إن كان الناس، على الوجه الثاني، غيرَ مفطورين على طبيعتهم، بل كانوا، على ما كان ابن رشد يسميهم، أناسًا بالاشتراك اللفظي فقط، من جنس ما نشاهد من نفرٍ أقذارٍ يُدنِّسون الفلسفة بألسنتهم ويجاهرون بأنهم من أعداء الفلسفة، فليس على كاتب الفلسفة أيضاً أن يعكف من أجل هؤلاء على اصطياد ودِّهم، لأن هؤلاء ينبغي أن يُتركوا لشقائهم كالهالكين، وليس ثمة ما يدعونا إلى أن نرغب في إدخالهم في محبة الفلسفة، إذ نكون كمن يسعى في تزويج عذراءَ ملكيةٍ من راعي بقرٍ وضيع. =
Forwarded fromلِـوَاءُ الـھُـدَىٰ فِـي الـلَّـيْـلِ والـدُّجَـىٰ
August 25, 2026 8