وتبدأ القائمة من النائب العام، مروراً بمساعدها الأول، ورئيس مكتبها التنفيذي، ومسؤولي الشؤون الإدارية والمالية الحاليين والسابقين، وصولاً إلى أعضاء أقل درجة، من بينهم أحمد سليمان العوض.
وهذه الحقيقة لا تثبت وحدها فساد أي شخص، لكنها تصبح ذات أهمية عند تحليل كيفية إعادة تشكيل مركز القرار الإداري والمالي داخل النيابة بعد الانقلاب، ثم تكرر أسماء المجموعة نفسها في ملفات الحسابات والتصديقات والبدلات والصرف محل التحقيق.
بيان النيابة يؤكد أصل المبلغ
القضية نفسها ليست سراً داخل النيابة.
ففي مارس 2026 نشرت «تاق برس» توضيحاً صادراً عن الإدارة العامة للشؤون الإدارية والمالية بالنيابة بشأن الجدل حول مبلغ الدعم.
وهذا التوضيح مهم لأنه يؤكد من جانب النيابة نفسها وجود أصل المبلغ والتصديق المالي، حتى وإن اختلفت الرواية الرسمية حول طريقة استخدامه وماهية الصرف.
وبذلك لا يصبح السؤال الأساسي: هل كانت هناك أموال أصلاً؟
بل يصبح السؤال: ماذا حدث للأموال بعد التصديق بها؟
توضيح النيابة المنشور عبر تاق برس
وهنا تحديداً تتعارض الرواية المطمئنة عن «دعم للنيابة» مع الأسئلة التي تطرحها حركة المال الفعلية: الحسابان اللذان استقبلا المبلغ، ومن كان يملك حق التوقيع عليهما، وكشوف المستفيدين، والمبالغ المعادة، ومطالبات المراجع العام، ثم الفجوة التي تتجاوز ثلاثة ترليونات ونصف الترليون جنيه.
القضية أكبر من خمسة ترليونات
عند وضع المستندات بجانب بعضها، لا تعود القضية مجرد خلاف حول «حوافز» أو «دعم مالي».
لدينا مبلغ عام قدره خمسة ترليونات جنيه.
لدينا حسابان خارج الحسابات الأساسية التي تمر عبرها الدورة المالية المعتادة، وفق المعلومات التي حصلنا عليها.
لدينا مسؤول مالي وضع توقيعه على الحساب وتولى الإشراف عليه، بينما يظهر اسمه نفسه مستفيداً بمبلغ 80 مليار جنيه.
ولدينا نجل للنائب العام يظهر ضمن المستفيدين بـ45 مليار جنيه.
ولدينا موظفان، بحسب معلوماتنا، خارج السودان منذ بداية الحرب، ومع ذلك يظهر لكل منهما مبلغ 45 مليار جنيه.
ولدينا مبالغ حصلت عليها النائب العام وابنها ثم أعيدت بعد بدء النشر.
ولدينا جهة المراجعة الرسمية التي تطالب بالوصول إلى الحسابات.
ثم لدينا أخطر رقم في الملف كله:
خمسة ترليونات دخلت، بينما الكشف الذي حصلنا عليه يفسر 1.439 ترليون فقط.
والفارق 3.561 ترليونات جنيه.
افتحوا الحسابين
لهذا فإن حسم القضية لا يحتاج إلى سجال سياسي ولا إلى بيانات إنشائية.
هناك حسابان مصرفيان محددان بالأرقام.
وهناك مبلغ معلوم المصدر والقيمة.
وهناك كشوف للمستفيدين.
وهناك مستندات للصرف والتصديق.
وهناك مراجع عام يملك قانوناً أدوات مراجعة المال العام.
لذلك فإن أبسط اختبار للروايات المتعارضة هو فتح الحسابين أمام المراجعة الكاملة.
يجب إظهار كشف الحركة منذ دخول الخمسة ترليونات وحتى آخر عملية تمت عليهما، وأسماء أصحاب صلاحية التوقيع خلال كل فترة، وأوامر التحويل، والشيكات، وأذونات الصرف، والمستندات التي استند إليها كل مستفيد، وأي مبالغ أعيدت وتاريخ إعادتها، والرصيد النهائي.
عندها فقط يمكن الإجابة عن السؤال الذي بدأنا به:
أين ذهبت أموال النيابة العامة؟
لكن ما تكشفه المستندات التي حصلنا عليها حتى الآن يضع أمامنا سؤالاً أكبر من مصير مبلغ واحد:
هل كانت داخل النيابة العامة منظومة مالية موازية مكّنت مجموعة محددة من السيطرة على الحساب والتوقيع والتصديق والصرف والاستفادة من المال، مع إضعاف حلقات الرقابة التي يفترض أن تحول دون اجتماع هذه السلطات في يد دائرة واحدة؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه المراجعة.
أما الـ3.561 ترليونات جنيه التي لا تظهر حتى الآن في كشف المستفيدين، فهي نقطة البداية في الجزء التالي من التحقيق، وليست نهايته.
8
4