فإذا كانت الأموال قد خرجت من مبلغ الخمسة ترليونات، فأين توجد الـ3.561 ترليونات جنيه الأخرى؟
هل بقيت في الحسابين؟
هل توجد كشوف صرف أخرى لم تظهر بعد؟
هل حُولت إلى حسابات أخرى؟
هل حصل عليها مستفيدون آخرون؟
أم أن هناك أوجه صرف لم تُكشف حتى الآن؟
الإجابة لا تحتاج إلى روايات متعارضة؛ تحتاج فقط إلى كشف حساب كامل للحسابين، وأوامر التحويل، وأذونات الصرف والمستندات المؤيدة لكل عملية.
المراجع العام يطلب الحسابات
وبحسب المعلومات التي حصلنا عليها من المراجع العام، فإن القضية وصلت بالفعل إلى الجهة المختصة بمراجعة المال العام، وصدرت خطابات مطالبة ومراجعة بشأن هذه الأموال.
لكن الأخطر، وفق المعلومات والمستندات التي بحوزتنا، أن المراجع العام طلب مراجعة أموال النيابة، ولم تسمح له النائب العام انتصار أحمد عبد العال حتى الآن بإجراء المراجعة المطلوبة بصورة كاملة.
إذا كانت جميع عمليات الصرف قانونية ومستوفية لمستنداتها، فإن السؤال يصبح بسيطاً: لماذا لا توضع الحسابات وأوامر الصرف وكشوف المستفيدين أمام المراجع العام؟
فالطريقة الوحيدة لحسم القضية ليست بياناً صحفياً، وإنما فتح الحسابين أمام المراجعة، ومطابقة كل مبلغ دخل مع كل مبلغ خرج.
انتصار تعيد أموالها وأموال ابنها بعد النشر
لكن تطوراً آخر حدث بعد أن بدأنا نشر جانب من هذه الوقائع.
فبحسب المعلومات التي حصلنا عليها، قامت النائب العام بإعادة المبلغ الذي حصلت عليه والبالغ 98 مليار جنيه، كما أعيد مبلغ الـ45 مليار جنيه المنسوب إلى ابنها.
وهذه الواقعة تفتح سؤالاً لا يمكن تجاوزه:
إذا كان الحصول على المبلغين صحيحاً ومستنداً إلى استحقاق قانوني مكتمل، فلماذا أعيدا بعد ظهور القضية إلى العلن؟
وإعادة المال لا تجيب كذلك عن السؤال الأكبر المتعلق بأصل قرار الصرف: من سمح بخروج المال ابتداءً؟ وعلى أي أساس؟ وكيف حصل شخص من خارج النيابة، إذا ثبت عدم وجود صفة وظيفية له، على جزء منه؟
45 ملياراً لكل منهما رغم وجودهما خارج السودان
ومن أكثر الحالات إثارة للانتباه في الكشف اسما أحمد سليمان العوض عبد الله ووفاء دفع الله خير الله الحسن، إذ يظهر كل منهما مستفيداً بمبلغ 45 مليار جنيه.
لكن المعلومات التي حصلنا عليها تفيد بأن الاثنين موجودان خارج السودان منذ اندلاع الحرب وحتى الآن.
وهذا يجعل معرفة طبيعة المبلغ أمراً أساسياً.
فإذا كان حافزاً مرتبطاً بالعمل أو بدل إعاشة أو سكناً أو مقابلاً لمباشرة مهام، فإن وجود المستفيد خارج البلاد خلال الفترة ذات الصلة بالصرف يطرح سؤالاً مباشراً عن شروط الاستحقاق وكيف جرى اعتماد المبلغ.
وهنا يمكن للمستندات حسم الأمر بسهولة: تاريخ الطلب، ونوع الاستحقاق، وتاريخ التصديق، وأمر الصرف، وتاريخ التحويل، وموقع الموظف وحالته الوظيفية وقتها.
«الدعم الاجتماعي».. باب مفتوح للصرف
ولا يبدو مبلغ الخمسة ترليونات واقعة معزولة عن نمط أوسع للصرف داخل النيابة.
فالمعلومات والمستندات التي حصلنا عليها تشير إلى وجود مبالغ أخرى يجري اعتمادها تحت مسميات الدعم الاجتماعي، ودعم السكن، ودعم المعيشة، وبدلات الإعاشة.
وتتركز هذه المزايا، بحسب المعلومات التي بحوزتنا، وسط مجموعة تضم رئيس النيابة مهلب عبد الرحمن، رئيس المكتب التنفيذي؛ وفتح الرحمن سعيد الطاهر، رئيس الشؤون الإدارية والمالية الحالي؛ ومحمد عبد العظيم محمد صالح، رئيس الشؤون الإدارية والمالية السابق؛ وعثمان أحمد إدريس «سكوتة»، رئيس الشؤون الإدارية والمالية السابق؛ ومحمد أمين حسين؛ وإدريس حسن سليمان؛ ومازن النور مكي؛ وعبد الله أحمد باب الله؛ وعوض حميدة؛ ومحمد محجوب الشماسي؛ وأحمد عمر عثمان.
وبحسب البيانات التي حصلنا عليها، تصرف لهذه المجموعة بدلات إعاشة وسكن شهرية بمبالغ كبيرة، بحيث يصل مجموع ما يتقاضاه بعض أصحاب الدرجات الأدنى من هذه المخصصات إلى مبلغ 12 مليار شهرياً.
وهنا لا تكمن القضية في وجود بدل سكن أو إعاشة في حد ذاته، وإنما في الأساس الذي يحكم منحه.
هل توجد لائحة تحدد المستحقين وقيمة كل بدل؟
هل الميزة متاحة لكل أعضاء النيابة الذين تنطبق عليهم الشروط؟
أم أن المستفيدين مجموعة محددة؟
ومن يرفع طلباتهم؟ ومن يصدق عليها؟ ومن يعتمدها؟ ومن يصرفها؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية عندما يكون الأشخاص الذين يديرون عملية الصرف أنفسهم ضمن المستفيدين منها.
مفصولو لجنة التفكيك يعودون إلى قلب الإدارة
وثمة خيط آخر يجمع عدداً كبيراً من الأسماء التي تتكرر في هذه الوقائع.
فبحسب القرارات والمستندات التي بحوزتنا، فإن معظم المسؤولين الذين تظهر أسماؤهم في إدارة الحسابات وعمليات الصرف الحالية سبق أن شملتهم قرارات لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو وإزالة التمكين، قبل أن يعودوا إلى النيابة عقب انقلاب 25 أكتوبر.