مجاهد بشرى - عشم: post #2131 — TG.ME

تحقيق: خمسة ترليونات في حسابات التجنيب.. كيف تحولت أموال النيابة العامة إلى شبكة صرف خارج مسار الرقابة؟

تكشف مستندات ومعلومات حصلنا عليها عن واحدة من أخطر قضايا التصرف في المال العام داخل النيابة العامة، لا بسبب حجم الأموال وحده، وإنما بسبب الطريقة التي أُديرت بها، والحسابات التي أودعت فيها، ومن امتلك سلطة التوقيع والصرف عليها، والأشخاص الذين حصلوا على مبالغ منها، ثم الفجوة الكبيرة بين الأموال التي دخلت تلك الحسابات والمبالغ التي أمكن حتى الآن تحديد وجهتها.

تبدأ القضية بمبلغ خمسة ترليونات جنيه سوداني، صدقت به وزارة المالية للنيابة العامة تحت بند تهيئة بيئة العمل والعودة إلى الخرطوم. وفي الأصل، لا توجد مشكلة في أن تحصل النيابة على تمويل لهذا الغرض؛ المشكلة تبدأ من اللحظة التي غادر فيها المال، بحسب المستندات التي بحوزتنا، مسار الحسابات المعروفة والخاضعة للدورة المالية المعتادة، وأودع في حسابين ارتبطا بما يعرف داخل النيابة بـ«حسابات التجنيب».

ومن هناك بدأت سلسلة من عمليات الصرف والتصديق تكشف عن أسئلة أكبر من مبلغ الخمسة ترليونات نفسه: من كان يسيطر على هذه الحسابات؟ من كان يوقع عليها؟ كيف جرى الصرف؟ وما الأساس الذي حصل بموجبه مسؤولون وموظفون وأشخاص آخرون على عشرات المليارات؟ ولماذا أعيدت بعض الأموال بعد بدء نشر القضية؟ وأين ذهب الجزء الأكبر من المبلغ الذي لا يظهر أصلاً في كشف المستفيدين الذي حصلنا عليه؟

أربعة حسابات.. ودورة مالية يفترض أن تحمي المال العام

لفهم ما حدث، يجب أولاً فهم الطريقة التي يفترض أن تدار بها أموال النيابة العامة.

تمتلك النيابة عدداً من الحسابات المخصصة لأغراض محددة. فالحساب رقم 12 مخصص للفصل الأول المتعلق باستحقاقات العاملين، والحساب رقم 13 للكفالات التي تودع في البلاغات، بينما يخصص الحساب رقم 19 للفصل الثاني والموارد، بما في ذلك النسب التي تحصل عليها النيابة من التسويات وفق المنشورات المنظمة لذلك.

أما الحساب رقم 20 فتورد إليه الغرامات والأموال المستردة لصالح جمهورية السودان.

والفارق الجوهري هنا أن الأموال الموجودة في هذا الحساب الأخير لا يفترض أن تتحول تلقائياً إلى مال تستطيع النيابة التصرف فيه متى شاءت. فإذا استحقت النيابة مبالغ للصرف على احتياجاتها، تتم مخاطبة وزارة المالية، التي تصدق بالمبلغ المستحق، ليورد بعد ذلك إلى الحساب المخصص للصرف.

هذه الدورة ليست تعقيداً بيروقراطياً بلا معنى، وإنما واحدة من أهم آليات حماية المال العام؛ لأنها تؤكد ولاية وزارة المالية عليه، وتمنع المؤسسات الحكومية من تجنيب الإيرادات والتصرف فيها خارج الموازنة، كما تخلق سلسلة مستندية تسمح لاحقاً بمعرفة مصدر كل مبلغ، والجهة التي اعتمدته، والبند الذي صرف تحته، والشخص أو الجهة التي تسلمته.

لكن مبلغ الخمسة ترليونات اتخذ، وفق ما تكشفه مستنداتنا، طريقاً آخر.

خمسة ترليونات.. إلى حسابين مختلفين

في بداية العام، صدقت وزارة المالية للنيابة العامة مبلغ 5 ترليونات جنيه تحت بند تهيئة بيئة العمل والعودة إلى الخرطوم.

وحتى هذه المرحلة، لا توجد مشكلة في أصل التصديق.

لكن النائب العام انتصار أحمد عبد العال قامت، وفق المستندات التي حصلنا عليها، بإيداع الأموال في حسابين ببنك السودان المركزي – فرع البحر الأحمر، يحملان الرقمين:

00269133025004

00269133025003

وهذان الحسابان، وفق المعلومات والمستندات التي بحوزتنا، ليسا من الحسابات الأساسية الأربعة التي تمر عبرها الدورة المالية المعتادة للنيابة، وإنما حسابان ارتبطا بإدارة رئيس نيابة الشؤون الإدارية والمالية السابق محمد عبد العظيم محمد صالح.

وتعود قصة الحسابين إلى فترة تولي محمد عبد العظيم رئاسة لجنة التحقيق في قضية شركات الملاحة البحرية. وبعد مغادرته الموقع تولى وكيل النيابة عثمان أحمد إدريس «سكوتة» المسؤولية عنهما أثناء عمله في نيابة البحر الأحمر.

لكن عقب الحرب وعودة محمد عبد العظيم إلى موقعه، ونقل سكوتة من منصبه، أعاد محمد عبد العظيم نفسه، بحسب المعلومات التي حصلنا عليها، مسؤولاً عن الحسابين.

وهذه الخلفية مهمة جداً لفهم ما حدث لاحقاً، لأن محمد عبد العظيم لا يظهر في هذه القضية بصفته موظفاً مالياً عادياً، وإنما بوصفه أحد الأشخاص الذين امتلكوا سلطة مباشرة على الحسابات التي أودعت فيها الأموال.

محمد عبد العظيم.. الموقّع والمشرف والمستفيد

تكشف المستندات التي حصلنا عليها جانباً أكثر خطورة في طريقة إدارة الحساب المجنب.

فقد قام رئيس الشؤون الإدارية والمالية محمد عبد العظيم محمد صالح بوضع توقيعه على الحساب المجنب بدلاً من أن يمر التوقيع والاعتماد عبر الجهة المختصة بالرقابة المالية، متجاوزاً بذلك التسلسل والإجراءات المعتمدة في الدورة المستندية.

والخطورة هنا ليست في شكل التوقيع، وإنما في السلطات التي تجمعت نتيجة لذلك.
❤2🔥1