وفي أثناء عمل اللجنة نفسها وقعت قضية أكثر خطورة، كان عثمان موسى أشبادين، المدير المالي السابق لهيئة الموانئ البحرية، من بين المحتجزين على خلفية التحقيقات، وكان أشبادين رجلاً متقدماً في السن ويعاني أمراضاً مزمنة، بينها السكري والقلب، وبحسب المستندات المتعلقة بالقضية، تقدمت طلبات بشأن وضعه الصحي والإفراج عنه أو تمكينه من تلقي الرعاية الطبية، رفضها محمد عبد العظيم كلها، بينما استمر احتجازه إلى أن تدهورت حالته الصحية بصورة خطيرة، قبل نقله في مرحلة متأخرة، ثم وفاته، ولم تمر الواقعة بهدوء.
فقد نشرت الصحافة آنذاك خبر وفاته، ونقلت عن محمد كرار، عضو اللجنة العليا لمكافحة جائحة كورونا، اتهامه النيابة العامة بالبحر الأحمر بإهمال أشبادين حتى تفاقمت حالته، كما حمل رئيس النيابة والنائب العام مسؤولية أوضاع المحتجزين، مشيراً إلى أن أغلبهم من كبار السن ويعانون أمراضاً مزمنة.،كما أثارت وفاة أشبادين احتجاجات في بورتسودان، وتحركت أسرته قانونياً، وتقدمت بشكاوى طالبت فيها بالتحقيق في ملابسات وفاته ومساءلة المسؤولين عنها.
وبذلك لم تكن قضية أشبادين خبراً عابراً مرتبطاً بعمل اللجنة؛ بل تحولت في وقتها إلى قضية رأي عام ومساءلة بشأن ظروف الاحتجاز والرعاية الطبية والقرارات التي اتخذت تجاه رجل مريض انتهى به الأمر إلى الوفاة أثناء استمرار الإجراءات بحقه.
ثم أُقيل.. وعاد
لاحقاً، كان محمد عبد العظيم من بين وكلاء النيابة الذين شملتهم قرارات لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 وإزالة التمكين، لكن مسيرته داخل النيابة لم تنته عند تلك النقطة، فقد عاد لاحقاً إلى المؤسسة، ووصل في نهاية المطاف إلى واحد من أكثر مواقعها حساسية من الناحية المالية والإدارية: رئاسة الإدارة العامة للشؤون الإدارية والمالية.
لأن الرجل الذي سبق أن ترأس لجنة ارتبط عملها بنزاع مالي كبير مع شركات التوكيلات الملاحية، وبإجراءات أثارت استئنافات وشكاوى وانتهت إلى تدخل وزارة المالية وتسوية رسمية، والذي أُقيل لاحقاً بواسطة لجنة إزالة التمكين، عاد ليتولى مسؤولية الإدارة المالية والإدارية داخل النيابة نفسها.
ثم تكشف المستندات الجديدة أنه، من داخل هذا الموقع، خاطب نفسه طالباً حافزاً، وأدرج نفسه ضمن المستفيدين، ثم صدّق على الحافز، فالرقابة المالية لا تقوم على قيمة المال فقط.. عشرة جنيهات تُصرف عبر إجراء يخالف قواعد الرقابة تثير المبدأ نفسه الذي تثيره ملايين الجنيهات، لأن القضية هي: من يملك القرار؟ ومن يراقبه؟ ومن يمنع صاحب السلطة من استخدام سلطته لتحقيق منفعة لنفسه؟
ولهذا تفصل النظم المالية بين من يطلب الصرف، ومن يراجعه، ومن يجيزه، ومن يستفيد منه.
أما أن يكون الشخص نفسه طالباً للمال، ومستفيداً منه، وصاحب سلطة التصديق عليه، فإن ذلك يهدم جوهر هذا الفصل ويضع المصلحة الشخصية مباشرة أمام الواجب الوظيفي.
والمفارقة أن المادة (54) تجعل رئيس الوحدة مسؤولاً عن اتخاذ الاحتياطات اللازمة لسلامة المال العام، بينما تكشف الوثائق أن رئيس الإدارة العامة للشؤون الإدارية والمالية أصبح هو نفسه طرفاً مستفيداً من قرار مالي شارك في اتخاذه.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه النيابة العامة ليس: كم كان مقدار الحافز؟
بل:
بأي سند خاطب رئيس الإدارة العامة للشؤون الإدارية والمالية نفسه طالباً منفعة مالية، وبأي سلطة صدّق لنفسه عليها؟ ومن كان يفترض أن يراجع قرار الرجل المكلف أصلاً بحماية سلامة المال العام داخل إدارته؟
لأن المشكلة تبدأ عندما يصبح الشخص الذي يفترض أن يقف عند آخر بوابة لحماية المال العام هو نفسه الطالب، والمصدّق، والمستفيد.
وغدا نتحدث عن اختلاس النائب العام ببورتسودان (انتصار عبدالعال) لـ6 ترليون جنية من أموال النيابة واقتسامها مع إبنها ومقرّبين منها...
وكيف كشف خلافها مع جبريل إبراهيم لهذه الجريمة.
6
1
1August 17, 2026 1.7K 1