تكشف وثيقة صادرة عن النيابة العامة ببورتسودان – الإدارة العامة للشؤون الإدارية والمالية واقعة ربما تبدو، للوهلة الأولى، مجرد معاملة مالية صغيرة تحت بند «دعم اجتماعي»، لكن قراءة الوثيقة، ومعرفة هوية من أصدرها ومن استفاد منها، تفتح سؤالاً أكبر بكثير حول تضارب المصالح، وحدود السلطة، والرقابة على المال العام داخل النيابة العامة.
الوثيقة صادرة عن الإدارة العامة للشؤون الإدارية والمالية، وتحمل اسم وتوقيع رئيسها محمد عبد العظيم محمد صالح، وفي جدول المستفيدين من «الدعم الاجتماعي» يظهر اسم محمد عبد العظيم نفسه .. لكن الأمر لا يتوقف عند وجود اسمه ضمن الكشف.
فالمستندات التي بحوزتنا والمتعلقة بمسار المعاملة تثبت أن محمد عبد العظيم، بصفته رئيساً للإدارة العامة للشؤون الإدارية والمالية، خاطب نفسه ضمن المستفيدين طالباً الحافز، ثم صدّق على الحافز الذي سيحصل عليه بنفسه، أي أن ثلاثة أدوار اجتمعت في شخص حيث تنص المادة (54) من لائحة الإجراءات المالية والمحاسبية، تحت عنوان «مسؤولية رؤساء الوحدات»، على أن رؤساء الوحدات مسؤولون عن اتخاذ الاحتياطات اللازمة لسلامة المال العام في نطاق وحداتهم، وعن التأكد من التزام العاملين التابعين لهم بأحكام اللائحة.
وبالتالي لم يكن محمد عبد العظيم، عند اتخاذ هذه الإجراءات، مجرد موظف يتلقى منفعة مالية؛ بل كان رئيس الوحدة الإدارية والمالية نفسها، ويحمل بحكم موقعه مسؤولية مباشرة عن سلامة الإجراءات المتعلقة بالمال العام داخلها.
وهذا يجعل السؤال الإداري والقانوني مباشراً:
كيف يمكن للمسؤول المكلف بالرقابة على سلامة المال العام أن يكون في المعاملة ذاتها صاحب المصلحة المالية وصاحب سلطة التصديق؟
وتذهب اللائحة أبعد من تحديد المسؤولية الإدارية.
فالمادة (29)، المعنونة بـ«الجرائم والعقوبات»، تجرّم صوراً من تبديد المال العام، من بينها الصرف على غير الأوجه المحددة للصرف، والصرف غير المعقول على الأوجه المحددة، والإهمال في الصرف، إضافة إلى جرائم الاعتداء على المال العام بجميع أنواعها.
وتصل العقوبة، متى تحققت أركان الجريمة المنصوص عليها، إلى السجن لمدة لا تجاوز عشر سنوات أو الغرامة أو العقوبتين معاً، دون الإخلال بأي عقوبة أشد ينص عليها قانون آخر.
إن مجرد حصول محمد عبد العظيم على الحافز يثبت تلقائياً ارتكابه جريمة بموجب المادة (29)، فالتكييف الجنائي مسألة تحددها الوقائع الكاملة والسند المالي ومسار الصرف والقانون واجب التطبيق، وما تثبته المستندات يطرح، في الحد الأدنى، مسألة واضحة تتعلق بتعارض المصلحة الشخصية مع السلطة الوظيفية، وسلامة إجراءات التصديق، ومدى الالتزام بالواجب الذي تضعه المادة (54) على رئيس الوحدة لحماية المال العام ..وهذه ليست المرة الأولى ..
تزداد أهمية الواقعة الجديدة عندما توضع إلى جانب سجل سابق لمحمد عبد العظيم في ممارسة سلطاته داخل النيابة العامة، ففي 2 ديسمبر 2019 شكّل النائب العام لجنة للتحقيق في التصرف في أصول الخطوط البحرية السودانية والمخالفات المتعلقة بإدارة ميناءي بورتسودان وسواكن والمنافذ البحرية الأخرى، وتولى محمد عبد العظيم رئاسة اللجنة.
كانت هناك ترتيبات سابقة بين شركات التوكيلات الملاحية وهيئة الموانئ البحرية بشأن سداد مطالبات الهيئة، جرى بموجبها سداد جزء بالعملة الأجنبية وجزء بالعملة المحلية، وكانت المعاملات قد نُفذت بموافقة هيئة الموانئ، لكن لجنة التحقيق برئاسة محمد عبد العظيم بدأت لاحقاً بمطالبة شركات التوكيلات الملاحية بمبالغ مرتبطة بهذه المعاملات، بما في ذلك مطالبات بأثر رجعي وبالعملة الأجنبية.
وتكشف الوثائق التي بحوزتنا أن القضية لم تعد مجرد تحقيق في المخالفات التي حددها قرار تشكيل اللجنة؛ إذ دخلت اللجنة في مطالبات وتحصيلات مالية من الشركات، وترافقت تلك المطالبات مع إجراءات جنائية وأوامر قبض، ما دفع شركات التوكيلات الملاحية إلى استئناف قرارات اللجنة أمام النائب العام.
وتظهر الكشوف المتعلقة بالنزاع أرقاماً ضخمة: إجمالي مبالغ مدرجة بالجنيه السوداني تجاوز 233 مليون جنيه في ذلك الوقت، بينما بلغت المطالبات المدرجة باليورو نحو 4.82 ملايين يورو.
وتدخلت وزارة المالية لاحقاً في النزاع، وانتهى الأمر بتوقيع اتفاق رسمي بعنوان «عقد اتفاق لتسوية مبالغ فواتير خدمات السفن المسددة بالعملة المحلية» بين وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي ووكلاء الشركات الملاحية.
واللافت أن الاتفاق نفسه يسجل ضمن تمهيده أن الشركات تقدمت بشكوى إلى النائب العام، وأن النائب العام أحال الأمر إلى وزارة المالية لحل النزاع ودياً.
ثم خاطبت وزارة المالية النائب العام بتاريخ 6 أغسطس 2020 وأرفقت نسخة من اتفاق التسوية لاستكمال الإجراءات المالية المتعلقة به.
أي أننا أمام مسار موثق بدأ بلجنة تحقيق، ثم تحول إلى نزاع مالي وإجراءات ضد الشركات، ثم استئناف لدى النائب العام، وانتهى بتدخل وزارة المالية وتسوية رسمية.
وفاة عثمان موسى أشبادين
August 17, 2026 1.4K 1