حتى الآن لا توجد بالقدر نفسه من العلاقات السعودية مع عسكر السودان، دليلاً على أن الرياض أنشأت منذ 2019 علاقة مؤسسية عميقة مع:
لجان المقاومة.
النقابات المهنية الجديدة.
المكونات النسوية والشبابية للثورة.
مراكز التفكير السودانية المدنية.
القيادات الصاعدة خارج الأحزاب التقليدية.
المؤسسات المختصة بإصلاح القطاع الأمني والعدالة الانتقالية.
في المقابل، كانت العلاقة مع العسكريين جاهزة ومباشرة ومبنية على مصالح أمنية سابقة، وهو ما يقودنا إلى فرضية أكثر دقة وخطورة ووضوح بأن السعودية «كانت ضد المدنيين»:
فالسعودية تعاملت مع المدنيين بوصفهم مصدراً للشرعية السياسية لنظامها العسكري الذي تريده في السودان، لكنها تعاملت مع العسكريين بوصفهم مصدراً للسلطة والاستقرار الذي تتصوره في ذهنها، ما يعني أن المدنيين بالنسبة لها كانوا مطلوبين كي يوافقوا على النظام، لا كي يصبحوا هم المركز الذي يُعاد بناء النظام حوله، وهو ما يفهمه كل المدنيين الذين يقفون ضد الحرب التي تدعمها السعودية بالسلاح و المال اليوم، لتثبيت نظام عسكري موالٍ لها ولحليفها السيسي.
انقلاب 25 أكتوبر: لحظة انقسام في تعريف المشكلة
جاء انقلاب 25 أكتوبر 2021 ليضع السياسة السعودية أمام اختبار حقيقي، حيث شاركت الرياض في بيانات دولية وإقليمية طالبت بإعادة الحكومة المدنية والإفراج عن المعتقلين وإنهاء حالة الطوارئ، وهذا لايعني تضامنها مع قوى الثورة او المدنيين، لأنها في ذات الوقت، ومع بقية الوسطاء، ظلت تبحث عن إعادة بناء الشراكة المدنية العسكرية، لا عن إنهاء الدور السياسي للمؤسسة العسكرية بصورة جذرية، وهو أوضح دليل عن نوايا الرياض تجاه ثورة الشعب السوداني ضد حكم الحركة الاسلامية و الحكم العسكري.
وهنا وقع الانقسام الأعمق، فمن وجهة نظر قطاعات واسعة من المدنيين، أثبت الانقلاب أن الشراكة نفسها كانت معيبة وأن العسكريين استخدموها جسراً للانقضاض على الانتقال المدني الديمقراطي بدعم سعودي مصري.
وبإصرارها البقاء كجزء من الآلية الرباعية صوّرت السعودية للوسطاء الإقليميين والدوليين، أن الانقلاب كان أزمة داخل الشراكة، ويمكن علاجها بإعادة المدنيين إلى الحكومة والتوصل إلى تفاهم جديد مع العسكريين، وهذا هو سبب وقوفها مع الاتفاق الإطاري، وهنالك سبب آخر، فالسعودية كانت ترى في التقارب ما بين الدعم السريع الذي وقف ضد انقلاب الـ25 من اكتوبر، و تبنى موقف المدنيين و قوى الثورة، بل و اعتذر علانية عن الانقلاب، هذا الموقف أقلق الرياض، وأخلّ بموازينها القائمة على ان يظل الدعم السريع و الجيش في جيبها، فهي ضمنت النظام القديم، و سهّلت ومهّدت لعودته، لكن مواقف الدعم السريع تعني أن يمتلك المدنيين لأول مرة القدرة على الضغط على المؤسسة العسكرية للخروج بكاملها من السلطة، وهو ما وافق قائد الدعم السريع في خطابه عشية توقيع الإطاري، وهو أمر له تبعات و عواقب أقلها الحرب التي اشعلتها الحركة الاسلامية في 15 ابريل 2023م.
المدنيون قالوا للرياض : إن التجربة أثبتت استحالة الثقة في البرهان كقائد جيش أو شريك.
أما الوسطاء فبحثوا تحت تأثير وتضليل السعودية عن صيغة تجعل البرهان جزءاً من الحل مرة أخرى، وهو ما. يفسر مسألة تكرار سلطة الانقلاب في بورتسودان إدعاءها بأنها حكومة شرعية تمثل الشعب السوداني النازح بالملايين جراء رفض ذات السلطة أي مبادرات للسلام، على الرغم من أنها محظورة حتى على مستوى الاتحاد الافريقي منذ انقلاب البرهان في 2021م، ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الخلاف متعلقاً بشروط الاتفاق فقط، بل بتعريف الحل نفسه.
الاتفاق مع حمدوك ثم الاتفاق الإطاري
عندما وقع حمدوك اتفاقه مع البرهان في نوفمبر 2021، رحبت السعودية وشركاؤها بالخطوة باعتبارها مدخلاً لاستعادة المسار الانتقالي،لكن الشارع وقوى مدنية واسعة رأت في الاتفاق شرعنة للانقلاب وإنقاذاً سياسياً للبرهان.
تكرر الأمر مع الاتفاق الإطاري في ديسمبر 2022، أيدت الرياض اتفاقاً ينص في ظاهره على حكومة مدنية وخروج العسكريين من السياسة، لكنه ظل قائماً على تعهدات القيادات العسكرية نفسها.
بالنسبة إلى السعودية، كان الاتفاق الإطاري تسوية عملية قد تفتح الباب أمام استقرار سياسي ودعم اقتصادي دولي.
أما بالنسبة إلى قطاع من المدنيين، فكانت المشكلة في غياب الضمانات التي تمنع انقلاباً جديداً، لا في نقص الاتفاقات المكتوبة.
وهنا يمكن تحديد أحد أخطاء التقدير السعودية التي يفهما المدنيين ويرفضون اغراءات السعودية بسببها وهو: الاعتقاد بأن توقيع العسكريين على الانسحاب من السياسة يمكن تحويله إلى ضمان، بينما كانت تجربة 25 أكتوبر قد أقنعت كثيرين بأن التعهدات لا قيمة لها من دون تغيير ميزان القوة، وزكدتها وقائع نقض البرهان للإتفاق الإطاري.
الحرب ومنصة جدة: عودة السلاح إلى مركز السياسة
8August 5, 2026 1.8K 1