لماذا أخفقت الرياض في كسب القوى المدنية إلى جانب البرهان؟ منذ سقوط… — مجاهد بشرى - عشم — TG.ME

لماذا أخفقت الرياض في كسب القوى المدنية إلى جانب البرهان؟

منذ سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019، ظل الموقف السعودي من السودان يتحرك داخل معادلة شديدة الحساسية: دعم الاستقرار، الحفاظ على مؤسسات الدولة، تجنب انهيار البلد المطل على البحر الأحمر، وفي الوقت نفسه إظهار التأييد لانتقال سياسي تقوده حكومة مدنية.

لكن هذه المعادلة، التي بدت في البداية محاولة عملية للتوفيق بين الجيش والمدنيين، انتهت بعد سنوات إلى فجوة عميقة بين الرياض وقطاعات واسعة من القوى المدنية السودانية، سواء داخل «صمود» أو «تأسيس». وفي كل مرة ظهرت فيها محاولة لإعادة المدنيين إلى تسوية يكون عبد الفتاح البرهان طرفاً أساسياً فيها، اصطدمت تلك المحاولة بجدار من انعدام الثقة.

السؤال هنا ليس ما إذا كانت السعودية قد أعلنت تأييدها للحكم المدني؛ السؤال الأهم هو: كيف عرّفت السعودية الأزمة السودانية منذ 2019؟ ومن اعتبرته الطرف القادر فعلياً على إنتاج الاستقرار؟

البداية: العسكريون شركاء معروفون والمدنيون قوة جديدة

عند سقوط البشير، لم تكن علاقة السعودية بالسودان تمر أساساً عبر الأحزاب أو قوى المجتمع المدني، وإنما عبر مؤسسات الدولة، وبصفة خاصة المؤسسة العسكرية، وقدكانت الرياض تعرف قيادات عسكرية سودانية من خلال مشاركة القوات السودانية في حرب اليمن، وكانت لديها قنوات مباشرة مع عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو. وفي المقابل، كانت قوى الثورة تحالفاً جديداً، واسعاً، متعدد المراكز، يضم أحزاباً ونقابات ولجان مقاومة وقوى شبابية لم تكن للدولة السعودية معها علاقات مؤسسية عميقة، فالسعودية كنظام دكتاتوري، لا يعرف الاحزاب ولجان المقاومة، و القوى الشبابية.

ومن منظور دولة إقليمية تبحث عن الاستقرار، بدا العسكريون للسعودية الطرف الأكثر وضوحاً: لديهم السلاح، والتراتبية التنظيمية، والسيطرة على أجهزة الدولة، والقدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه.

وهنا حصل العسكريون منذ البداية على أفضلية لم تكن تحتاج بالضرورة إلى مؤامرة أو توجيه أيديولوجي؛ فقد صنعتها طبيعة العلاقات السابقة وبنية الدولة نفسها.

المساعدات الأولى ورسالة التوازن المختل

بعد سقوط البشير، أعلنت السعودية حزمة دعم للسودان بقيمة ثلاثة مليارات دولار، تضمنت وديعة في البنك المركزي ومساعدات غذائية ودوائية ونفطية، جاء هذا الدعم بينما كان المجلس العسكري الانتقالي يتولى السلطة، وكانت قوى الثورة تفاوض من أجل نقلها إلى المدنيين.

ولأننا في الوقت الحاضر الذي نرى السعودية تدعم أحد اطراف الحرب بالسلاح و العتاد، فيكفي توقيت المساعدات في 2019م وحده لإثبات أن السعودية أرادت إجهاض الثورة أو إعادة إنتاج النظام القديم، فالرياض رأت أن المجلس العسكري هو المؤسسة الوحيدة القادرة على منع الفراغ الاقتصادي والأمني، لكن النتيجة العملية كانت واضحة: الدعم المالي عزز قدرة المجلس العسكري على الصمود، ومنحه هامشاً أوسع في مفاوضاته مع القوى المدنية، وجعله يرتكب مجزرة فض الاعتصام وهو على ثقة بوجود دعم سعودي و مصري من خلفه..

وهنا ظهر التوازن الذي سيحكم السياسة السعودية لاحقاً :وهو أن المدنيون يمنحون النظام الشرعية، بينما يمنحه العسكريون القوة والاستمرارية، ما يعني زن السعودية اهتمامها بالمدنيين ينحصر فقط في كونهم الوحيدين الذين يمكن أن يمنحوا أي نظام عسكري. دكتاتوري تابع للسعودية الشرعية، ولا اهتمام حقيقي لها بالمدنيين في السودان، و لا. تراهم كشركاء و حكام.

بمعنى:
بعد مجزرة 3 يونيو 2019، أصبح استمرار الحكم العسكري المباشر مكلفاً سياسياً، كما تصاعد الضغط السوداني والإفريقي والدولي للوصول إلى اتفاق انتقالي أجبر السعودية على تغيير لعبتها في السودان.

حيث تكيّفت الرياض مع التسوية الجديدة ولم تعرقل علناً قيام الشراكة المدنية العسكرية، وهذه أول إشارة إلى أن الهدف السعودي لم يكن بالضرورة الإبقاء على مجلس عسكري خالص، بل الوصول إلى صيغة تحقق ثلاثة شروط:

بقاء مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجيش الخاضع لها، و الباحث عن فرصة البقاء في السلطة، و تكرار سيناريو عبد الفتاح السيسي في السودان، و الحارس الأمين لمصالح النظام البائد.

احتواء الحركة الثورية داخل نظام سياسي قابل للتفاوض، مما يسهل ضرب القوى المدنية بالتيار الثوري.

توفير واجهة مدنية تمنح المرحلة الانتقالية شرعية داخلية ودولية، مع الإبقاء علي العسكر على رأس السلطة.

أي أن الرياض لم تنتقل من دعم العسكر إلى مشروع مدني مستقل، وإنما انتقلت إلى قبول المدنيين داخل شراكة يحافظ فيها العسكريون على مركزهم السيادي.

وهذا النمط سأعود لأذكركم به لاحقاً في اتفاق حمدوك والبرهان بعد انقلاب 2021، ثم في الاتفاق الإطاري عام 2022.
لكن دعونا نطرح سؤالآ مهماً في هذا التحليل:
لماذا لم تستثمر السعودية في المدنيين؟
❤11
August 5, 2026 1.2K 1