ليس الإيمان أن تطيل سجودك بين طمأنينة السواري، ولا أن تجرَّ رداء الصلاح والناس قعودٌ ينظرون، إنما الإيمان جمرةٌ تخبئها في راحتك يوم تشبُّ المعامع، وشهادةٌ سريةٌ لا يوقعها إلا القلب حين تسقط الأقنعة،
إن العبادة ليست كلماتٍ تتسق في السحر، ولا أورادًا نديةً نتوارثها بلا عناء، بل هي صخرةٌ صماءُ يتحطم عليها هواك حين تمتد يدك إلى الحرام وهي قادرةٌ، وينكتم فيها صوتك عن مظلمةٍ ولو كان الصمت يورثك الهوان، فما أسهل أن يدعي الفتى الزهد وهو لم تمسسه الفتنة، وما أيسر أن يتحدث عن الرضا وهو في سعة من العيش، لكن المحك حقًا يوم تقف على شفير الانتقام ومقادير العقاب بين أصابعك، فتكل مظلمتك إلى الله كأنك لم تُظلم، ويوم يخيم الليل ولا جليس إلا السواد، فتؤدي الأمانة ولا عينٌ ترقبك، ولا يدٌ تصفق لك، ولا أجرٌ ترجوه من الناس،
يا هذا، إن الدنيا مسرحٌ كبيرٌ يتقن فيه الجميع تمثيل دور الصالحين حتى تهتز خشبة الظروف، فيسقط الديكور الرهيف، ونكتشف جميعًا أن العباءات كانت أوسع من أصحابها، فموقفٌ واحدٌ كفيلٌ بأن يطوي دواوين سنواتٍ من التبتل المصنوع، ومحكٌّ واحدٌ قادرٌ أن يزن الروح بميزان الحق فلا يحابيها، هناك، في تلك اللحظة الفاصلة، ينخلع السرد السهل ويسقط زيف المظاهر، ويخرج من بين الرماد معدن الروح؛ حيث يموت الكلام وتتحدث الأفعال،
فاحذر أن تكون هباءً يطير مع أول هبةٍ من الكبرياء، واثبت إذا تزاحمت الفتن وضاقت المسالك، فإنما يُعرف الذهب تحت وطأة النار، وإنما يُعرف العابد حين يخسر هواه ليربح مولاه؛ حين يكون قادرًا على الظلم فيختار العدل، وقادرًا على الأخذ فيختار العفو، وقادرًا على الخيانة فيحفظ الأمانة، وقادرًا على الانتقام فيترك الأمر لمن لا تضيع عنده المظالم، فهناك، لا في كثرة ما تقول ولا في طول ما تصلي، تظهر حقيقة ما استقر في القلب...♡
-السُميعي