مُنهك..🖤: post #2602 — TG.ME

علموا أولادكم أن العقل ليس وعاءً يحفظ، بل ميزانًا يزن، ونورًا يفرق به صاحبه بين الهدى والهوى، وأن العلم إذا لم يثمر حكمةً كان حجة على صاحبه لا له، وأن التأني ليس إبطاءً عن المقاصد، بل تثبتٌ يعصم من الزلل، وأن التقوى ليست مظهرًا تراه الأبصار، بل حياةٌ تستقر في القلوب، فتستقيم بها السرائر قبل الظواهر، ويعلو بها قدر المرء وإن خفي اسمه،

علموهم أن المرء مخبوء تحت لسانه، فإذا تكلم بان عقله، وانكشف أدبه، ورب صمتٍ ستر صاحبه أعوامًا، ثم هدمته كلمة لم يزنها بميزان الحكمة، غير أن الصمت ليس فضيلةً في كل موطن، كما أن الكلام ليس مذمةً في كل حال، وإنما الفضيلة أن يسكت إذا كان السكوت حكمة، وأن ينطق إذا كان الكلام حقًا،

علموهم أن الإساءة لا تحتاج إلا إلى طيش ساعة، وأن ردها بمثلها لا يطفئ نارها، بل يزيدها اشتعالًا، وأن أقوى الناس ليس أسرعهم إلى الانتقام، بل أملكهم لنفسه عند الغضب، فإن من غلب هواه مرة، كان أقدر على غلبة خصومه مرات،

علموهم أن الأدب ليس حسن العبارة فحسب، بل حسن المعاملة قبلها، وليس زينة المجالس، بل زينة الأخلاق، وأن العلم لا يقاس بما يحمله المرء من شهادات، وإنما بما يهدي إليه من حق، ويدفعه من باطل، ويتركه من أثر صالح،

علموهم أن يفرقوا بين من زلت قدمه، ومن فسد قلبه، فإن زلة اللسان يمحوها الاعتذار، وزلة القدم يجبرها الرجوع، أما فساد الضمير، فإذا تمكن من القلب، أفسد على صاحبه دينه ومروءته، وأعياه بعد ذلك كل إصلاح،

علموهم أن صلاة الفجر ليست أول أعمال اليوم، بل أول العهد بالله، فمن أصلح عهده مع ربه في مطلع نهاره، أصلح الله له شأن يومه، ومن هانت عليه الصلاة، هان عليه ما سواها،

علموهم أن كرامة الإنسان في دينه، وعزته في استقامته، وأن الأمة وإن باعدت بين أقطارها الحدود، جمعها الإيمان، ووحدتها العقيدة، وأن الحق لا يعرف بكثرة أتباعه، وإنما بثبات أهله عليه،

وازرعوا في قلوبهم أن المبادئ لا تباع، وأن العقيدة ليست بابًا من أبواب الحياة، بل الأصل الذي تقوم عليه الحياة كلها، وأن القلب إذا صلح، صلح ما وراءه، وإذا فسد، لم يغن عن صاحبه عقل، ولا مال، ولا جاه،

علموهم العلم النافع، الذي يورث خشية، ويهذب خلقًا، ويقيم فكرًا، واحذروا أن تملؤوا عقولهم بكل ناعق، فإن فساد الفكرة يسبق فساد العمل، ومن استقام فكره، استقام أكثر أمره،

وربوهم على أن الشدائد لا تصنع الضعفاء، وإنما تكشفهم، وأن النفوس الكبيرة لا تنبت في ظلال الراحة، بل تشتد في ميادين الصبر، وأن من اعتاد أن يجد كل شيء مهيأً له، عجز إذا طلبت منه الحياة أن يشق طريقه بيده،

ولا تجعلوا محبتكم لهم سببًا في عجزهم، ولا رحمتكم بهم بابًا إلى اتكالهم، فإن اليد التي اعتادت الأخذ، ثقل عليها العطاء، والنفس التي ألفت الاعتماد على غيرها، ضاقت بأدنى مسؤولية،

ولا تجعلوا ميراثهم منكم مالًا يفنى، بل دينًا يهدي، وخلقًا يبقى، وعقلًا يرجح، فإن هذا ميراث لا تنقصه الأيام، ولا تمتد إليه يد الفناء،

وتذكروا دائمًا أنكم لا تربون أبناءً ليعيشوا في ظلكم، بل لتبقى مبادئكم فيهم إذا غبتم، فإذا استقاموا بعدكم، فقد أحسنتم التربية، وإن خلفتم لهم خزائن الأرض، ولم تخلفوا في قلوبهم إيمانًا، ولا في أخلاقهم استقامة، فما تركتم لهم إلا متاعًا يزول، وأثقلتم عليهم ميراثًا لا ينفعهم عند الله ولا عند الناس...♡

-السُميعي
❤135👍80🕊50🫡32
July 28, 2026 1.5K 50