ما أشرقت شمسٌ على وجه الأرض إلا حملت إلى الناس شيئًا من الأمل، غير أن فجر محمد ﷺ لم يكن فجر يومٍ يجيء ثم يمضي، بل كان فجر معنى، أشرقت به القلوب قبل أن تشرق به الآفاق، وانزاحت به ظلمات الجهل، وأقبلت به رحمة الله على عالمٍ أضناه التيه، فكان ﷺ رحمةً مهداة، ونورًا يهدي الحائرين إلى ربهم، وسراجًا أضاء للإنسان طريق الهداية
محمد ﷺ، اجتمعت في سيرته من محاسن الخلق خصالٌ لو تفرقت في الرجال لكان لكل واحدةٍ منها شأن، فكان الصدق فيه سجيةً، والأمانة عهدًا، والحياء جمالًا، والتواضع رفعةً، والشجاعة ثباتًا، والحلم سعةً، والرحمة قلبًا يتسع للخلق، والعدل ميزانًا لا تميله الأهواء
كان ﷺ جميل السمت، طلق المحيا، قريبًا من الناس، يسمع لضعيفهم، ويواسي حزينهم، ويجبر خاطر مكسورهم، ويمنح الفقير من عنايته قبل أن يمنحه من ماله، فلم تكن رحمته كلامًا يُقال، بل خلقًا يُرى في معاملته، وكان جماله أوسع من ملامح الوجه، فقد امتد من هيئته إلى سيرته، ومن كلماته إلى مواقفه، فإذا تكلم صدق، وإذا وعد وفى، وإذا حكم عدل، وإذا قدر لم يجعل القدرة ذريعةً للبطش
وكان تواضعه ﷺ من تواضع العظماء، لا تحجبه منزلته عن البسطاء، ولا تجعل النبوة بينه وبين الناس حجابًا من الكبر، وكان حلمه من أعظم خصاله، يؤذى فيملك نفسه، ويُجهل عليه فيملك لسانه، ويعفو حين يقدر، ليبقى عفوه شاهدًا على أن القوة تبلغ كمالها حين تحرسها الرحمة
ومضى ﷺ في طريق الرسالة من مكة إلى المدينة، يحمل أمانةً أعظم من أن تثقل بها زخارف الدنيا، فلاقى التكذيب والأذى والحصار، وفارق وطنه، وثبت حين اضطربت القلوب، وصبر حين اشتدت المحن، لا يطلب لنفسه مجدًا، وإنما يحمل رسالةً تخرج الإنسان من عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق، ومن ضيق الجاهلية إلى سعة التوحيد
ثم عاد إلى مكة قادرًا على الانتقام ممن آذوه، فإذا بالنصر عنده بابٌ للعفو، وإذا بالقدرة تُثمر صفحًا، لا ثأرًا، فكان في ذلك درسًا خالدًا بأن أعظم الانتصارات ما كان انتصارًا على النفس قبل أن يكون انتصارًا على الخصم
وأقام ﷺ أمةً جمعها التوحيد، وشد أركانها العدل، وأحياها الإخاء، ورد إلى الإنسان كرامته، وجعل التقوى ميزان التفاضل، ثم كان في بيته كما كان في أمته، رحيمًا بأهله، حسن العشرة، قريبًا منهم، لتبقى سيرته شاهدًا على أن الخلق العظيم لا يتبدل بتبدل المواضع، ولا يسقط حين يغيب عن صاحبه نظر الناس
وكان قيامه بين يدي ربه سرًا من أسرار عظمته، فكلما ارتفع مقامه عند الناس ازداد خضوعًا لله، وكلما اتسع ذكره في الأرض ازداد افتقارًا إلى ربه، فكانت النبوة عنده عبوديةً قبل أن تكون منزلةً، وأمانةً قبل أن تكون شرفًا، ولذلك كان أعظم الناس خشيةً، وأصدقهم افتقارًا، وأشدهم تعلقًا بربه
وأما فضله ﷺ، فأعظم من أن تستوفيه كلمات مادح، فقد اصطفاه الله لرسالته، وختم به النبوة، وأنزل عليه كتابه، ورفع له ذكره، وجعله رحمةً للعالمين، فبقيت سيرته نورًا يهدي، وسنته هديًا يربي، وظل أثره ممتدًا في القلوب ما بقي في الأرض من يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله
ولذلك فإن محبته ﷺ ليست كثرة المدح فحسب، بل أن يتحول حبه في القلب إلى أثر، فنصدق كما صدق، ونرحم كما رحم، ونعفو حين نقدر، ونتواضع حين نُرفع، ونثبت حين تشتد الطريق، فليس أصدق في المحبة من خُلُقٍ يشهد لها، ولا أجمل في المديح من حياةٍ تحمل شيئًا من هديه
صلّى الله وسلّم وبارك على محمد، عبد الله ورسوله وخاتم أنبيائه وخيرته من خلقه ورحمة الله المهداة إلى العالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على هديه وأحب سنته واقتفى أثره إلى يوم الدين...♡
-السُميعي