خطبة الجمعة| إذا أثقل القلق قلبك، وأطال الهمُّ سهرك، وأعياك الركض خلف الأسباب، فاقرأ هذه الكلمات بقلبك قبل عينيك، واعلم أن الطمأنينة لا تُنال بكثرة التدبير، وإنما تُوهب بحسن التوكل على العزيز القدير، فما ضاق أمرٌ على الله، ولا استعصى عليه شأن، وإنما تضيق الأشياء في أعيننا حين نقيس قدرة الله بعجزنا، وننظر إلى الغيب بمنظار الدنيا،
فأرخِ لجام القلق عن قلبك، ولا تجعل عقلك أسير الحسابات الضيقة، فإن الإنسان مهما أوتي من الفطنة، فلن يدرك إلا طرفًا يسيرًا من حكمة الله، قد تنقطع الأسباب في نظرك، بينما ينسج الله من لطفه أسبابًا لم تخطر لك على بال، وقد ترى الأبواب كلها موصدة، فإذا بباب الفرج يُفتح في لحظة، وإذا بالعسر ينقلب يسرًا، لأن الله إذا أراد شيئًا هيأ له أسبابه،
وإذا أراد الله بك خيرًا، سخّر لك من خلقه من يكون سببًا في بلوغه، وإذا صرف عنك شرًا، جعل بينك وبينه من رحمته ولطفه حجابًا لا تراه الأبصار، فلا تيأس من ضعف حيلتك، ولا تجزع من قلة الناصر، فإن الأمر كله لله، بيده العطاء والمنع، والخفض والرفع، وهو سبحانه أرحم بك من نفسك،
ثم انظر إلى حال كثيرٍ من الناس، يقلقون على رزقٍ لم يأتِ بعد، ويغفلون عن أنفسهم وهي أحوج ما تكون إلى البناء والإصلاح، وقد جعل الله طلب العلم، واكتساب المهارة، وتهذيب النفس، من أعظم أسباب رفعة الإنسان في الدنيا والآخرة، فكل علمٍ نافع تتعلمه، وكل مهارةٍ تكتسبها، لا تزيدك معرفةً فحسب، بل تبني فيك عقلًا أرجح، وبصيرةً أنفذ، وروحًا أسمى،
واعلم أن التحولات العظيمة لا تبدأ بالأعمال العظيمة، وإنما تبدأ بعادةٍ صغيرة يثبت عليها صاحبها، صفحةٌ من كتاب، أو ساعةٌ مع علمٍ نافع، أو وردٌ من القرآن، أو سجدةٌ خاشعة، أو خلقٌ كريم تداوم عليه، حتى يفتح الله لك من أبواب الخير ما لم يخطر لك على بال،
فلا تجعل أكبر همك جمع ما يفنى، واجعل أعظم استثمارك في قلبك، وعقلك، وإيمانك، فإن المال يترك صاحبه أو يتركه صاحبه، أما العلم، والإيمان، والعمل الصالح، فهي الزاد الباقي، والتجارة التي لا تبور،
فامضِ في أرض الله مطمئن القلب، آخذًا بالأسباب، مفوضًا الأمر إلى مسبب الأسباب، وأحسن الظن بربك في كل حال، فإن من توكل على الله كفاه، ومن صدق في اللجوء إليه هداه، ومن رضي بتدبيره، أبصر من لطفه ما تعجز التوقعات عن بلوغه، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾...♡
-السُميعي
161
80
57
41
26July 17, 2026 1.7K 49