للانتظار قدرةٌ غريبة على تضييق الأفق، حتى ليخال المرء أن الأيام استنفدت ما في يدها، وأن الغد لن يحمل إلا صورة الأمس، يمر الوقت ببطءٍ يرهق القلب، فيحسب أن الصمت جواب، وأن تأخر الإجابة يعني غيابها، بينما الحقيقة أن أكثر ما يصنعه الله في حياة عباده يجري في المواضع التي لا تصل إليها العين، ولا يبلغها الظن،
ما من قدرٍ يولد فجأة، بل لكل نعمةٍ جذورٌ تمتد في الخفاء، تسقيها حكمة الله حتى إذا اكتمل أوانها، خرجت إلى النور كأنها جاءت بغتة، وما كانت بغتةً إلا لمن لم يرَ كيف كانت تنمو في الغيب،
ولهذا لا يكشف القدر أوراقه مبكرًا، ولا يهب الإنسان تفسير الأحداث وهو لا يزال في قلبها، فمن يقف في منتصف الطريق لا يرى إلا جزءًا منه، أما النهاية وحدها فهي التي تعيد ترتيب المشاهد، وترد كل موقفٍ إلى موضعه، حتى يصبح ما أحزنك يومًا سببًا في طمأنينتك، وما حسبته انكسارًا أول الطريق إلى النجاة،
كم من أمنيةٍ لو نزلت على القلب قبل أوانها لأثقلته، وكم من أمرٍ تأخر حتى ظنه صاحبه بعيد المنال، فلما حضر أدرك أن التأخير لم يكن حرمانًا، بل رحمةً كانت تحفظ النعمة من أن تأتي في زمنٍ لا يحتملها،
وليس المنع دائمًا ضد العطاء، فكثيرًا ما يكون وجهه الآخر، فما يفوتك اليوم قد يكون هو الذي يفسح المكان لما هو أوسع، وما يغيب عن يدك قد يكون هو الذي يحفظ قلبك من ضيقٍ لم تكن تراه، إن الله لا ينظر إلى رغبتك وحدها، بل ينظر إلى عاقبتها أيضًا، ويختار لك من الأقدار ما ينسجم مع رحمته، لا مع استعجالك،
والانتظار ليس مساحةً فارغة بين دعاءٍ وإجابة، بل مرحلةٌ يتبدل فيها الإنسان من داخله، ففيه تتعلم الروح أن تتخفف من قلقها، وأن تسند أمرها إلى من لا تضيع عنده الودائع، وأن تدرك أن اليقين لا يعني أن ترى الطريق، بل أن تطمئن إلى من بيده الطريق،
ثم يأتي اليوم الذي تنكشف فيه الحكمة دفعةً واحدة، فتلتفت إلى ما مضى فلا ترى سنواتٍ ضاعت، بل إعدادًا طويلًا لما أنت فيه الآن، وتفهم أن لطف الله لم يبدأ حين جاء الفرج، وإنما بدأ منذ اللحظة التي ظننت فيها أن كل شيء قد تأخر، وأن الأقدار كانت تسير نحوك بصمت، بينما كنت تظن أنك وحدك من يمشي إليها،
وحين تستقر النعمة بين يديك، ستدرك أن الله لم يكن يؤخرها عنك، بل كان يؤخرها لك؛ حتى تأتي كاملةً، في وقتها الكامل، إلى قلبٍ صار قادرًا على أن يعرف قيمتها، ويحسن شكرها، ويرى في كل ما مضى أثرًا من آثار الرحمة التي كانت تعمل في الخفاء، حتى اكتمل موعد اللقاء...♡
-السُميعي
163
83
46
27July 21, 2026 1.8K 47