سبحان من جعل للروح أبوابًا،
لا تُفتح كلها بالمفاتيح،
بل بما يمر بها من أقدار،
وبما تنقشه الأيام في أعماقها من أسرار،
وسبحان من أخفى لطفه في المواضع التي تخشاها القلوب،
فكم من أمرٍ حسبه الإنسان نهاية الطريق،
وكان في علم الله بداية نجاة،
وكم من بابٍ أُغلق في وجهه،
لأنه كان يحمل خلفه ما يثقله،
لا ما يرفعه،
وما الحزن إلا غيمة عابرة،
تمر على سماء القلب،
فتحجب النور حينًا،
ثم تمضي،
فتترك في الأرض حياةً لم تكن فيها قبل نزولها،
فلا تظن أن كل ما يؤلمك جاء ليهزمك،
فبعض الرياح لا تهب لتحطم الأغصان،
بل لتسقط عنها ما أثقلها،
وبعض الطرق لا تضيق بالمسافر،
إلا لتعلمه أن يسير بقلبه،
حين تعجز قدماه عن حمل الطريق،
ولولا تلك اللحظات التي خفت فيها من السقوط،
لما عرفت أن هناك لطفًا كان يسندك وأنت لا تشعر،
ولولا انطفاء بعض الأنوار من حولك،
لما تعلمت أن تبحث عن نورٍ لا تطفئه الأيام،
يا صاحب القلب المتعب،
رويدك،
فما تأخر عنك شيء كُتب لك،
وما سبقك إلى رزقك أحد،
وما أخطأك ما أراده الله لك،
ولو اجتمعت الطرق كلها على صرفه عنك،
فكم من أمنية بكى صاحبها لأنها لم تأت،
ثم مرت الأيام،
فحمد الله أنها لم تأت في الوقت الذي أرادها فيه،
وكم من انتظارٍ ظنه القلب حرمانًا،
ثم اكتشف بعد حين،
أنه كان رحمةً تأخرت،
حتى تصل إليه في صورتها التي تليق به،
فلا تستعجل الفرج،
فإن الأشياء العظيمة لا تأتي دائمًا حين نطلبها،
بل حين نصبح قادرين على استقبالها،
فالثمرة لا تنضج لأن الغصن تعب من انتظارها،
ولا يشرق الفجر لأن الليل ضاق بنفسه،
بل لأن الموعد الذي كتبه الله له قد جاء،
دع الأقدار تمضي كما أراد لها خالقها،
ولا تقف طويلًا أمام الأبواب المغلقة،
فرب بابٍ أُغلق رحمةً بك،
ورب طريقٍ لم تُسلكه كان يحمل عنك تعبًا لا تراه،
واعلم،
أن أثقل ما يحمله الإنسان،
ليس ما يحدث له،
بل ما يضيفه هو إلى ما يحدث،
من خوف،
ومن ظنون،
ومن أسئلة يطلب لها القلب جوابًا قبل أوانها،
ولو ألقى قلبه بين يدي ربه،
وترك ما لا يطيق لمن لا يعجزه شيء،
لعاد أخف مما كان،
وأهدأ مما ظن أنه يستطيع،
فلا تجعل للحزن عرشًا في قلبك،
ولا تمنحه وطنًا يقيم فيه،
فهو ضيف،
مهما طال مقامه،
فإن له ساعة ويرحل،
وتبسم،
لا لأن الحياة خالية من التعب،
بل لأن الله لم يتركك في تعبك وحدك،
ولأن وراء كل قدرٍ حكمة،
ووراء كل ضيقٍ مخرجًا،
ووراء كل دعاءٍ رحمة تسمعه، وإن تأخر الجواب،
وكن كالشجرة،
لا تعاتب الريح حين تأتي،
ولا تسأل الشتاء لماذا طال،
بل تمد جذورها أعمق،
كلما اضطرب وجه الأرض،
فالأشياء العظيمة لا تُعرف حين تسكن الأيام،
بل حين تثبت وهي تعبر الفصول كلها،
وما بينك وبين السكينة،
ليس طريقًا تقطعه القدم،
ولا زمنًا تحصيه الأيام،
بل لحظة في القلب،
يكف فيها عن مقاومة ما اختاره الله،
ويبدأ يثق بمن اختاره له،
وحين تبلغ تلك اللحظة،
لن تقول إن البلاء انتهى،
بل ستدرك أن البلاء انتهى منك،
ستنظر إلى الأيام التي أثقلتك،
لا بعين الألم،
بل بعين الفهم،
وستعرف أن بعض الأبواب التي أُغلقت،
كانت تحميك من طرق لم تكن تعرف نهايتها،
وأن بعض الدموع التي ظننتها ضعفًا،
كانت تغسل من روحك ما لم يكن يليق ببقائها،
وأن الله لم يكن يؤخر عنك الفرج،
بل كان يصنع في داخلك قلبًا يعرف قيمة العطاء،
ويحفظ أثر النعمة،
ولا ينسى صاحب الفضل فيها،
فإذا جاء الفرج،
لن تستقبله كشيء ضاع منك ثم عاد،
بل كشيء كُتب لك منذ البداية،
لكنه جاء في اللحظة التي أصبحت فيها مستعدًا له،
وستدرك أن كل ما مر بك،
لم يكن إلا الطريق،
إلى قلبٍ أكثر هدوءًا،
وروحٍ أكثر قربًا،
ونفسٍ عرفت أخيرًا،
أن الطمأنينة لم تكن في غياب الألم،
بل في وجود الله،
وسط كل ما يؤلم...♡
-السُميعي
132
69
36
29July 23, 2026 1.8K 41