نعيش في مرحلة ما بعد الربيع العربي موضة لعن الدولة الحديثة وكل منتجاتها تقريبًا، وهي موجة شعورية تتناقض كثيرا مع أسلوب حياتنا الذي نعيشه، بل تتناقض مع بعض منتجاتنا التعليمية والتربوية التي نستهدف من خلالها تخريج أجيال تقاوم هذا "المدّ الحداثي" الذي استعمرنا!
خذ مثلا طريقتنا في بناء برامجنا التعليمية، حيث نركّز على أسلوب الاستظهار ثم إلقاء المادة في الاختبار، وإعطاء "العلامات" وانتهى الموضوع!
فكرة الاختبارات والعلامات هذه أساسًا فكرة حداثية، هي أسلوب المدارس الحداثية التي نذمّها ليل نهار، وكذلك الأمر نمط "شهادات التخرّج" و"حفلات التخرّج"، فهو يحمل من قيم الحداثة الكثير. لكنّا مع الأسف رغم ذلك لم نأخذ من الحداثة إلا أسوأ منتجاتها، وبنسختها الرديئة في بلدان العالم الثالث، فما زلنا نركّز الثقل على مهارة الاستظهار مع شيء من مهارات البحث المتواضعة، أما مهارة حلّ المشاكل ومهارة الإبداع (الصميمة في المناهج التعليمية الحداثية وفي كثير من مناهجنا القديمة) فما زلنا بعيدين عنها.
أذكر منذ أيام الجامعة الأولى أن أحد أكثر المساقات تأثيرًا في نفسي كان مساقًا في "علم نفس التعلّم"، كان الدكتور يُحضر في كل درس مقالا أكاديميّا ينبغي لنا أن نقرأه أو نطّلع عليه قبل الدرس، ثم يناقش مضمونه بفاعلية وعمق خلال الدرس، ثم في آخر المساق كان التقييم عبارة عن إنجاز دراسة في مجال من مجالات المساق. وكان يقول لنا في بداية المساق: لا أفهم ما الهدف من وضع علامة؟ كان متمرّدًا على نظام التقييم (الذي درسته جيّدا في الجامعة)، والغاية عنده هي هضم المحتوى التعليمي. وكان يقول لنا: أنا أضع للجميع 95!
وحقّا، رغم مرور نحو 15 عامًا على ذلك العهد، ما زلت أذكر الكثير مما كان يناقشه ذلك الدكتور بشغف وجدّية خلال محاضراته، ما زلت أذكر كلامه عن بافلوف وسكينر وبياجيه وغيرهم كما لو كان قبل أشهر فقط!
إن أهم أركان عملية التعلّم هي أن يقدّم المعلّم مادته بجدّية وشغف، وأن يمتلك المتلقّي من الجدّية والشغف بالمادة ما يجعلها ترسخ مع تطاول السنين. أما تلك المادة التي يدرسها تحت ضغط وجوب استظهارها عند الامتحان؛ فستتبخّر في اليوم التالي من صبّها على أوراق الامتحان!
27
1
1September 1, 2026 607 14