حتى تعلم قيمة رجل كعمر بن الخطاب رضي الله عنه تصوّر أنه حكم دولة ضخمة تمتدّ من مصر إلى خراسان، وتضمّ كامل الجزيرة والعراق والشام لنحو عشر سنوات، ومع ذلك لم تُغيّره السلطة قيد أنملة، بل صار أكثر حرصًا على جميع القيم العالية.
هذا ليس رجلا مثاليّا، هذا رجل واقعي ولكنّه تربّى على قيم القرآن وسنّة المصطفى صلى الله عليه وسلّم.
وفي عصرنا هذا اهتمّ الدعاة بمختلف جوانب الدولة: نظام الحكم، شكل السلطة، الاقتصاد، العلوم السياسية، وسائل التمكين وغيرها، لكن قلّما تجد من يتحدث عن قيم السلطة والحاكم من منطلق قرآني سنّي راشد، فوجود الهوية الإسلامية للدولة والخلفية الإسلامية للقائمين عليها لا يستلزم أنهم سيقودونها تلقائيّا إلى ما يحب الله ويرضى، فإنّ السلطة في كل عصر تفعل فعلها النكد في أعظم النفوس وأعلاها همّة، مما يستلزم تربية من نوع خاص، حتى لا نظلّ نرى أشخاصًا من أصحاب الخلق العالي والسمت الإسلامي إذا وصلوا إلى السلطة انقلب حالهم ومارسوا رسوم الفساد والتعلّق بالدنيا التي كان يمارسها الطغاة قبلهم!
قديمًا كانت لدينا أزمة في مستوى السلطة الإسلامية تتمثّل في سرعة تخلّي أئمة المسلمين عن الهدي الراشد في الحكم وتبنّيهم كثيرًا من مفردات ما سمّي بعد ذلك بـ "أدب الملوك"، وهي المأخوذة عن ملوك الفرس وإرثهم تحديدًا. واليوم كثيرا ما يجد الداخل في السلطة نفسه خاضعًا للأخلاق المكيافيلية، يمارس ما يمارسه من كان يعلو صوته في انتقاده!
وليس ذلك – كما يفهم بعض السذّج – لأنّه كان غرًّا بلا خبرة سياسية، بل لأنه لم يتربّ تربية راشدة راسخة تتعلق بالقيم السياسية ومفردات السلطة، فوجد نفسه فريسة للقيم التي كان ينازعها، وشيئا فشيئا بدأ بارتداء ملابس أسلافه الطغاة حين وجد نفسه عاريًا من القدرة على التصرّف والتدبير!
وإنّما يُلهَم التدبير الصحيح من جعل قيم القرآن معياره، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائده، وخلفاءه الراشدين قدوته. وعلى رأس تلك القيم: الحساسية للعدل، والصدق، والأمانة، والإنصاف، وصيانة الحرمات، ورعاية الحقوق، وترك التعلّق بالدنيا، والاعتزاز بالإسلام، والإحسان في كل شيء، والثقة بسنن الله عزّ وجلّ، ومشاورة أهل الشرف والخبرة والديانة. فهذه وغيرها قيم متجاوزة للزمان، الفشل في امتحانها يعني إعادة تدوير الطغيان بأشكال مختلفة!
17
7September 1, 2026 444 14