الحمد لله وحده، أما بعد، فكثيرا ما يأتيني من يسأل عن كتب في فلسفة العلم أو كيف أبدأ في قراءة الفلسفة أو ما شاكل ذلك. وجوابي لهؤلاء جميعا واحد: يا إخوة أنا لست فيلسوفا ولا أستاذ فلسفة، أنا إنما أقرأ في تلك الحمأة حتى لا تضطروا أنتم للغرق فيها، بارك الله فيكم!
لست أعقد السلاسل العلمية والدروس في هذه الأبواب التي تتعلق بالتجريبيات والطبيعيات والإنسانيات والتي تتناول النظريات الفلسفية بالنقد والغربلة من أجل أن أخرج طالبا في الفلسفة!! وإنما أفعل ذلك من أجل أن أعلم شباب المسلمين الذين سبق لهم التعرض لهذه الأمور كيف يصلحون عقيدتهم وكيف يحصنونها مما هنالك!
فالذي تسمعه مني في الكلام في النظريات التجريبية ليس محاضرات في فلسفة العلم، وإنما هو محاضرات في العقيدة والمنهج، في علم فرعي مستقل من علوم الاعتقاد، سمه إن شئت بأصول العلوم الطبيعية أو أصول التجريبيات عند المسلمين! أما "فلسفة العلم" فلست أدرس ذلك للناس! حتى ما أستعرضه منها على طلبتي في الجامعة ففي حدود ما يفيد طلبة الدراسات العليا فيما هم مقبلون عليه لا غير!
وإذا سمعتني أنتقد نظريات النفسانيين أو الاجتماعيين أو السياسيين والاقتصاديين ومن شاكلهم، فلست بذلك أقدم محاضرات في فلسفة الاقتصاد أو فلسفة علم النفس أو فلسفة علم الاجتماع أو العلوم السياسية، وإنما أقدم تأصيلا شرعيا يحتاج إليه من يتعرضون لتلك العلوم!
ولهذا، ولأننا في مقام لا نعرف فيه إماما من علماء أهل السنة قد سبقنا في هذا العصر فنأتم به ونرجع إلى كتبه، فلا أجد إلا أن أدلكم على ما وفقني رب العالمين سبحانه لنشره وإصداره في هذه الأبواب، على ما فيه من النقص الذي نسأل الله أن يكمله، ثم إذا اتسع درك الواحد منكم وفهمه للمادة التي نقدمها، فسيقدر بعد ذلك، بحول الله وتوفيقه، على أن يقرأ في تلك المجالات، تأصيلا وتفريعا، بحسب ما تدعوه إليه الحاجة، إلى حد أن يتخصص في العلوم ذات الصلة، دون أن يخاف على عقيدته ومنهجه! وهو المطلوب وما نرمي إليه.
وقد وقع فعلا لبعض من طالت متابعتهم لمواد هذه القناة، بفضل الله وتوفيقه، أن أصبحوا قادرين على القراءة في فلسفة العلم استقلالا، وعلى أن يفرقوا فيها بين ما يقبل وما يرد.
وإن كنت قد نصحتهم، وفقهم الله، بألا يتوسعوا في ذلك بدعوى الدفاع عن السنة والانتصار للحق، لأنه معلوم أن فلسفة العلم هذا مجال لا يعرفه عموم المسلمين ولا يتخصص فيه إلا ثلة من أساتذة الفلسفة، على قراءة سطحية فيما وجدت عند أكثرهم! فعندما يكون الأمر كذلك فأي شيء يلجئ طالب العلم المسلم لأن "يتخصص" في فلسفة العلم، بمعنى أن يكون قادرا على استعراض مذاهب الفلاسفة ونظرياتهم ومقارنة أقوالهم ونقدها وتبيين ما خالفناهم فيه وما وافقناهم فيه، إلى آخر ذلك؟؟
هذا الأمر يجب على كل من يقدم عليه أن يسأل نفسه سؤالا مهما للغاية، بحيث أنه إن لم يجد له جوابا يرتضي الوقوف به بين يدي الله تعالى، أقلع ولم يبال! والسؤال هو: هل غلب على ظني أن المسلمين ينتفعون بهذا الباب الذي أفتحه عليهم في تلك المجالات، وتيقنت من أن المصلحة الشرعية مما أنشر أرجح من مفسدته؟ أم تراني سأصبح من حيث لا أشعر ولا أحتسب، جسرا لنظريات مغرقة في التنطع ومذاهب سفسطائية سخيفة، لتعبر عليه إلى قوم مسلمين قد سلمهم الله منها ولم يكونوا ليقفوا عليها لولا أني أنا من نشرتها فيهم؟؟
هذا ما يجب أن يتنبهوا إليه، وفقهم الله تعالى، وإلا كنا كالمستجير من الرمضاء بالنار! نسأل الله السلامة والتوفيق.
أبو الفداء
I am often approached by people asking for books on the philosophy of science, how to start reading philosophy, or similar queries. My response to all of them is the same: My brothers, I am neither a philosopher nor a professor of philosophy. I only do my homework and read through that mire so that you do not have to drown in it yourselves, may Allah bless you! I do not conduct academic series and lessons in these fields—which relate to the empirical, natural, and human sciences, and critically analyze and sift through philosophical theories—such that I could graduate students of philosophy! Rather, I do so to teach young Muslims who have already been exposed to these matters how to correct their creed and fortify it against what is out there! Therefore, what you hear from me regarding empirical theories is not a series of lectures on the philosophy of science. "Rather, it consists of lectures on creed (Aqeedah) and methodology (Manhaj), within an independent branch of the sciences of Tawheed.