المشكلة في مثل هذا الكلام أن الأخ يظن أن المسألة هي العلم التجريبي ونظرياته في مقابل الدين. ولكن واقع الأمر أن الخلاف هو بين ميتافيزيقا طبعانية ضد الوحي.
الأخ هداه الله يظن أن مشكلتنا مع النظرية أنها تفسر الغيبيات بما يناقض الإسلام، وليس أنها استجازت من مبدأ الطرح أن تدخل العلم التجريبي في هذه الغيبيات. فلهذا ظن لو صبغنا هذه الجوانب الغيبية بفرضيات إسلامية فقد سلمنا من الخطأ ونكون قد صححنا العلم التجريبي.
المشكلة أن الأخ يتصور أن أمامنا علمًا تجريبيًا محايدًا من جهة، ودينًا من جهة أخرى، وأن المطلوب فقط أن نُدخل الإسلام في المواضع التي يتكلم فيها العلم عن الغيب. بينما هذا ليس محل النزاع أصلًا. محل النزاع هو أن بعض الناس يحمّلون العلم التجريبي ميتافيزيقا طبعانية مسبقة، ثم يسمون الناتج كله علمًا. فنحن لا نعترض فقط على أن بعض الفرضيات الغيبية تخالف الإسلام؛ بل نعترض قبل ذلك على هذا التوسع نفسه الذي يجعل العلم التجريبي حكمًا في مسائل تجاوز أصلًا نطاق التجربة. فالوحي ليس فرضية علمية بديلة عن فرضية أخرى، وإنما مصدر معرفي مستقل، ولا يصح أن نسمح للميتافيزيقا الطبعانية بأن تحدد حدود الممكن ثم نقول: لنضف داخل هذا الإطار بعض الفرضيات الإسلامية.
فالعلم التجريبي، في حدوده المعقولة، يدرس الانتظامات التي نلاحظها ونختبرها: نرى ظاهرة تتكرر في ظروف معينة، فنستقرئ منها قانونًا أو انتظامًا. لكن المشكلة تبدأ عندما ننتقل من هذا إلى افتراض أن ما نراه هنا يجب أن يكون مثله في كل مكان، وما نراه الآن يجب أن يكون مثله في كل زمان. هنا يظهر مبدأ التشابه أو التماثل الميتافيزيقي: أي افتراض أن الأشياء في الواقع متشابهة من حيث طبائعها الأساسية وقابلة للتفسير ضمن الإطار نفسه، ومن ثم يمكن إسقاط ما عرفناه بالتجربة على الواقع كله. ومن هذا المنطلق يصبح من الطبيعي افتراض استمرار القوانين إلى الماضي البعيد، وتعميمها على الكون كله، وافتراض مبادئ كالتجانس والتماثل الاتجاهي على نطاق كوني. لكن هذه القفزة ليست هي نفسها نتيجة تجريبية؛ بل هي افتراض ميتافيزيقي يسمح بهذا التعميم أصلًا.
وهنا يأتي الفرق الجوهري مع الوحي. إذا كان العالم مخلوقًا بإرادة فاعل مختار، فإن انتظام الطبيعة الذي نشهده ليس ضرورة ميتافيزيقية قائمة بذاتها، ولا يحق لنا أن نقول من مجرد كون شيء منتظمًا في نطاق تجربتنا إنه لا بد أن يكون كذلك في كل جزء من الوجود وكل لحظة من التاريخ. فمشيئة الله تعني أن ما نجده في هذا الجزء من العالم هو ما شاء الله أن يجعله عليه، ولا نستطيع بمجرد الاستقراء أن نستنتج ماذا شاء في كل موضع خارج نطاق اختبارنا. ولهذا نفرّق بين الثقة العملية بالاستقراء داخل نطاق التجربة وبين تحويل انتظام الطبيعة إلى ضرورة أزلية وشاملة لكل الواقع.
وهذا لا يعني أننا ننكر الاستقراء أو نقول إن العلم لا يستطيع التنبؤ. بالعكس، يمكننا الاعتماد على انتظام ما جعله الله منتظمًا في عالم خبرتنا، لكن لا نرفع هذا الانتظام من ملاحظة محدودة إلى قانون ميتافيزيقي يحكم كل الوجود. فهناك فرق بين أن تقول: «بناءً على ما جربناه، نتوقع أن يتكرر الأمر في الحالات المشابهة القابلة للاختبار»، وبين أن تقول: «إذن لا يمكن أن يكون هناك في أي مكان أو زمان واقع مختلف، أو سبب غير طبيعي، أو فعل إلهي لا يدخل تحت قوانيننا المعروفة». الثانية ليست نتيجة للتجربة؛ بل هي مسبقة على التجربة.
الوحي هنا ليس فرضية علمية منافسة نضيفها إلى قائمة الفرضيات. بل هو مصدر مستقل للمعرفة يخبرنا عن أمور لا نستطيع الوصول إليها بمجرد تعميم ما نراه في نطاق خبرتنا. ومن هنا فالوحي والطبعانية لا يختلفان فقط حول أي تفسير علمي أدق، بل حول حدود التفسير نفسه ومصادر المعرفة المشروعة. الوحي يخبرنا أن العالم مخلوق، وأن انتظامه من سنن الله، وأن الله قادر على أن يجري فيه ما يشاء، وأن تاريخ العالم ليس بالضرورة محصورًا فيما نستطيع استنتاجه من إسقاط حاضرنا على كل ماضيه. أما الطبعانية فتريد أن تجعل الانتظام الذي نلاحظه قانونًا ميتافيزيقيًا مغلقًا لا يسمح من حيث المبدأ بتجاوز الطبيعة.









