روائع الأدب الروسي: post #930 — TG.ME

التوبة من أجل النشر!
جودت هوشيار


خضع الأدب في الاتحاد السوفيتي لعقود طويلة لرقابة أيديولوجية صارمة، وكان الطريق إلى النشر يمر غالباً عبر الالتزام بمبادئ «الواقعية الاشتراكية» التي فرضتها الدولة مذهباً أدبياً رسمياً. وكان يُنتظر من الكاتب أن يقدم صورة متفائلة عن المجتمع الاشتراكي ومستقبله، وأن يتجنب كل ما يمكن أن يُفهم على أنه تشكيك في النظام أو نقد له.

وقد سعت السلطة إلى إخضاع الأدباء والفنانين لهذا التوجه بمزيج من الترغيب والترهيب، بينما وجد كثير من أصحاب المواهب الحقيقية أنفسهم عاجزين عن إيصال أصواتهم إلى القراء. فدفعت الرقابة الصارمة عدداً كبيراً من الكتّاب والشعراء إلى الصمت سنوات طويلة، أو إلى مواصلة الكتابة في الخفاء، محتفظين بمخطوطاتهم في الأدراج انتظاراً لزمن يسمح لها بأن ترى النور.

وكان الكاتب الروسي سيرغي دوفلاتوف (1941-1990) واحداً من أبرز ضحايا تلك الرقابة. فقد غادر لينينغراد إلى تالين، عاصمة جمهورية إستونيا السوفيتية، أملاً في أن تكون القيود المفروضة على النشر هناك أقل شدة. وبالفعل، حصل على وظيفة في إحدى المؤسسات الصحفية، ووقّع عقداً لنشر أولى رواياته بعنوان «الزوايا الخمس». وبعد أن أصبحت بروفات الكتاب جاهزة للطباعة، صدر قرار بمنع نشره من دون إبداء أي مبرر.

كانت الصدمة قاسية. فقد كان دوفلاتوف مقتنعاً بأن الرواية لا تتضمن ما يستدعي المنع، كما أنه لم يكن من المنشقين أو المعارضين السياسيين. لذلك قصد الكاتب المخضرم غريغوري سكولسكي طالباً منه النصح، فدار بينهما الحوار الآتي:

– انت في حاجة الى التوبة

– عن ماذا؟

– لا يهم . الشيء الرئيسي هو التوبة عن شيء ما. ، والاعتراف بشيء ما . أنت لست ملاكًا

– انا لست ملاكًا على الإطلاق

– اذن ، اعلن توبتك . كل شخص لديه شيء ما ليتوب عنه

– ولكنني لا أشعر بأي ذنب

– هل تدخن؟

– اجل ، وماذا في ذلك ؟

– هذا يكفي. التدخين عادة ضارة ، هل توافقني ؟ اذن اكتب : " اتوب عن هذا العبث ، ثم تحدث عن كتابك وقل ارجو ...

يكشف هذا الحوار، بطرافته السوداء، طبيعة الحياة الثقافية في تلك المرحلة؛ إذ لم يكن المطلوب من الكاتب في أحيان كثيرة أن يدافع عن عمله الأدبي، بل أن يقدم «اعترافاً» أو «توبة» ترضي البيروقراطية الأيديولوجية، حتى وإن لم يكن قد ارتكب ما يوجب الاعتذار.

واليوم يُعدّ سيرغي دوفلاتوف أحد أبرز كتّاب روسيا في النصف الثاني من القرن العشرين. فمنذ وفاته عام 1990 تتوالى طبعات أعماله، ويزداد الإقبال عليها عاماً بعد عام، بعد أن مُنع قراؤه في بلده طويلاً من الوصول إليها. وتُدرَّس بعض مؤلفاته في المدارس الروسية، وفي مقدمتها رواية «الحقيبة»، كما يُقام في مدينة سانت بطرسبورغ مهرجان ثقافي سنوي يحمل اسمه، احتفاءً بإرثه الأدبي ومكانته في الأدب الروسي الحديث.
❤17👍8🆒2
July 5, 2026 4.1K 10