في عمر الثالثة والعشرين، وحين كان يقضي فترة نفيه بسبب قصائده السياسية ومواقفة المدمرة
كتب ألكسندر بوشكين هذه الرسالة لأخيه الأصغر ليف، يقدم له فيها بعض النصائح الممزوجة بمرارة تجاربه الشخصية
رسالة أ. س. بوشكين إلى ل. س. بوشكين
سبتمبر (بعد 4) — أكتوبر (قبل 6) 1822 م.
من كيشيناو إلى بطرسبورغ.
أنت في السن التي يجب فيها على المرء أن يفكر في المسيرة المهنّية التي سيسلكها، لقد أخبرتك بالأسباب التي تجعلني أرى السلك العسكري أفضل من سائر المسارات الأخرى.
وفي كل الأحوال، فإن سلوكك وتصرفاتك سيحددان لزمن طويل سمعتك، وربما سعادتك أيضًا.
سوف تتعامل مع رجال لا تعرفهم بعد.
ابدأ دائماً بافتراض أسوأ ما يمكن تخيله عنهم: فلن تخسر كثيرًا بهذا الظن.
لا تحكم عليهم بناءً على ما في قلبك، الذي أظنه نبيلًا وطيبًا، والذي لا يزال فوق ذلك شابًّا غَضًّا، احتقرهم بأكثر الطرق أدباً ممكنة: فهذه هي الوسيلة لتحصين نفسك ضد الأحكام المسبقة الصغيرة والأهواء الدنيئة التي ستصطدم بها عند دخولك إلى معترك المجتمع.
كن باردًا رصينًا مع الجميع، فالألفة المفرطة تضر دائماً، ولكن إياك، ثم إياك، أن تنجرف وراءها مع رؤسائك، مهما أظهروا لك من تودد أو تقرب.
فهؤلاء سرعان ما يتجاوزون حدودهم، ويسرّهم جدًّا أن يذلوك
في اللحظة التي لا تتوقعها على الإطلاق.
لا تبالغ في إظهار الاهتمام والتودد، واحذر من طيبة القلب التي قد تكون مجبولًا عليها: فالناس لا يفهمون الطيبة، بل يفسرونها طواعيةً على أنها ذُلّ مَهانة، إذ يسعدهم دائماً أن يحكموا على الآخرين بناءً على أنفسهم.
لا تقبل أبداً الصدقات أو النعم. فالمنّة في أغلب الأحيان تكون خيانة. ولا تقبل الوساطة أو الحماية، لأنها تستعبد المرء وتهينه.
كنت أود أن أحذرك من غوايات الصداقة، لكني لا أملك الشجاعة لأقسّي قلبك في سنٍّ هي أجمل سني أوهامها العذبة.
أما ما يجب أن أقوله لك بخصوص النساء، فسيكون بلا فائدة تماماً . سألاحظ لك فقط: أنه كلما قلّ حبنا للمرأة، كنا أكثر ثقةً في امتلاكها. لكن هذه اللذة لا تليق إلا بقرد عجوز من القرن الثامن عشر.
أما بالنسبة للمرأة التي ستحبها، فأتمنى لك من كل قلبي أن تنالها.
لا تنسَ أبدًا الإساءة المتعمدة، قلل من الكلام أو انعدمه تمامًا، ولا تردّ الإهانة بالإهانة أبدًا.
إذا كانت حالتك المادية أو الظروف لا تسمح لك بالظهور والبريق، فلا تحاول إخفاء حرمانك، بل تظاهر بالنقيض تمامًا: فالصعلكة
في حدتها تفرض هيبتها على الآراء السطحية التافهة، في حين أن الخدع الصغيرة التي نلجأ إليها لإرضاء الغرور تجعلنا مثيرين للسخرية والازدراء.
لا تقترض أبدًا، وتحمّل العوز والفقر بدلاً من ذلك؛ وثق بأن الفقر ليس مروعًا كما يُصوَّر، وخصوصًا مقارنةً باليقين الذي قد يرى فيه المرء نفسه غير شريف، أو يُظن به كذلك.
إن المبادئ التي أعرضها عليك، أدين بها لخبرة مؤلمة. وأتمنى أن تتبنّاها دون أن تُجبرك الظروف على ذلك يوماً ما. فقد تنقذك هذه المبادئ من أيام القلق والغضب. ويومًا ما ستسمع اعترافي، قد يكلف ذلك غروري الكثير، لكن هذا لن يمنعني أبدًا عندما يتعلق الأمر بمصلحة حياتك.
أ. س. بوشكين



