[ إشكال يحصل عند بعض طلاب المعقول و هو طلب اليقين في غير موارده ].
محمود نبيل الحنفي الأزهري :
فإن قلتَ: ولكنَّ اشتغالي بالمعقول يوجب عليَّ رد هذه الأشياء ما لم تستبن لي بالعقل.
قلتُ: أما أن الصناعة توجِبُ عليك ذلك فهذا غير صحيح، وأما اعتمادك على الأدلة العقلية فقط فينبغي أن تعرِّف لنا مرادك من الأدلة العقلية، فإن كنت تقصد الأدلة العقلية القطعية علمتَ أن حكمك غير صحيح، وهذا وهم مشهور بين الطلبة وهو الجنوح إلى اليقينيات في كل الأمور، وهذا خطأ، فإن اليقين يفيد في محله والظن يفيد في محله ولا يفيد في غير محله، فالحاصل أن كل شيء مفيد في بابه ولكي تقرب لك الصورة انظر لكلام المناطقة عن التمثيل " القياس الأصولي " تجد أنهم يصرحون أنه لا يفيد اليقين ولو أفاده لكان راجعا إلى القياس، خذ هذا مع اعتماد الفقهاء والأصوليين على التمثيل، فلا مشكلة لأن اعتمادهم عليه إما أن يكون في المواطن التي يرجع فيها التمثيل إلى القياس فلا خلاف إذن، وإما أن يكون في المواطن التي غاية التمثيل فيها أن يفيد الظن وهنا لا مشكلة أيضا فإن الفقهاء والأصوليين ما أسقطوا درجة الظن في الاستدلال كما فعل المناطقة لذا صح عندهم هذا الدليل، قال الإمام الحجة الغزالي - رضي الله عنه - : الفقهيات كلها نظر من المجتهدين في إصلاح الخلق، وهذه الظنون وأمثالها تقتنص بأدنى مخيلة وأقل قرينة، وعليه اتكال العقلاء كلهم في إقدامهم وإحجامهم على الأمور المخطرة في الدنيا، وذلك القدر كاف في الفقهيات، والمضايقة والاستقصاء فيه يشوش مقصوده، بل يبطله، كما أن الاستقصاء في التجارات ضرباً للمثل يفوت مقصود التجارة.
وإذا قيل للرجل: سافر لتربح، فيقول : وبم أعلم أني إذا سافرت ربحت؟ فيقال: اعتبر بفلان وفلان، فيقول: ويقابلهما فلان وفلان، وقد ماتا في الطريق، أو قتلا، أو قُطِعَ عليهما الطريق، فيقال: ولكن الذين ربحوا أكثر ممن خسروا أو قتلوا، فيقول: فما المانع من أن أكونَ
مِنْ جملة مَنْ يخسر أو يقتل أو يموت؟! وماذا ينفعني ربح غيري إذا كنت من هؤلاء؟!
فهذا استقصاء لطلب اليقين، والمعتبر له قط لا يتجرُ ولا يربح، ويعد مثل هذا الرجل موسوساً أو جباناً، ويحكم عليه بأن المتاجر الجبان لا يربح.
فهذا مثال الاستقصاء في الفقهيات، وهو هوس محض وخَرَقٌ، كما أن ترك الاستقصاء في العقليات اليقينية جهل محض.
فليؤخذ كل شيء من مأخذه، فليس الخَرَقُ في الاستقصاء في موضع تركه بأقلَّ مِنَ الخرق في تركه بموضع وجوبه، والله أعلم.
انتهى