«وقد ذكر الله الحكمة في مواضع كثيرة من كتابه مراداً بها ما فيه صلاح النفوس، من النبوة والهدى والإرشاد. وقد كانت الحكمة تطلق عند العرب على الأقوال التي فيها إيقاظ للنفس ووصاية بالخير، وإخبار بتجارب السعادة والشقاوة، وكليات جامعة لجماع الآداب. وذكر الله تعالى -في كتابه- حكمة لقمان ووصاياه في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: 12] الآيات. وقد كانت لشعراء العرب عناية بإبداع الحكمة في شعرهم وفي إرسال الأمثال، كما فعل زهير في الأبيات التي أولها: «رأيت المنايا خبط عشواء» والتي افتتحها بمَنْ ومَنْ في معلّقته. وقد كانت بيد بعض الأحبار صحائف فيها آداب ومواعظ مثل شيء من جامعة سليمان عليه السلام وأمثاله، فكان العرب ينقلون منها أقوالاً.
وفي «صحيح البخاري» في باب الحياء من كتاب الأدب أن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ: «الحياء لا يأتي إلا بخير»، فقال بُشير بن كعب العدوي: مكتوب في الحكمة إن من الحياء وقاراً وإن من الحياء سكينة، فقال له عمران: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتحدثني عن صحيفتك».
والحكيم هو النابغ في هاتيك العلوم أو بعضها، فبحكمته يعتصم من الوقوع في الغلط والضلال بمقدار مبلغ حكمته، وفي الغرض الذي تتعلق به حكمته.
وعلوم الحكمة هي مجموع ما أرشد إليه هدي الهداة من أهل الوحي الإلهي الذي هو أصل إصلاح عقول البشر، فكان مبدأ ظهور الحكمة في الأديان، ثم ألحق بها ما أنتجه ذكاء أهل العقول من أنظارهم المتفرعة على أصول الهدي الأول. وقد مهد قدماء الحكماء طرائق من الحكمة فنبعت ينابيع الحكمة في عصور متقاربة كانت فيها مخلوطة بالأوهام والتخيلات والضلالات، بين الكلدانيين والمصريين والهنود والصين، ثم درسها حكماء اليونان فهذبوا وأبدعوا، وميّزوا علم الحكمة عن غيره، وتوخّوا الحق ما استطاعوا فأزالوا أوهاماً عظيمة وأبقوا كثيراً. وانحصرت هذه العلوم في طريقتي سقراط وهي نفسية، وفيثاغورس وهي رياضية عقلية. والأولى يونانية والثانية لإيطاليا اليونانية. وعنهما أخذ أفلاطون، واشتهر أصحابه والإشراقيين، ثم أخذ عنه أفضل تلامذته وهو أرسططاليس وهذّب طريقته ووسّع العلوم، وسمّيت أتباعه بالمشّائين، ولم تزل الحكمة من وقت ظهوره معوّلة على أصوله إلى يومنا هذا.
﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ وهو الذي شاء الله إيتاءه الحكمة، والخير الكثير منجر إليه من سداد الرأي والهدي الإلهي. ومن تفاريع قواعد الحكمة التي تعصم من الوقوع في الغلط والضلال بمقدار التوغل في فهمها واستحضار مهمّها، لأننا إذا تتبعنا ما يحل بالناس من المصائب نجد معظمها من جراء الجهالة والضلالة وأفن الرأي. وبعكس ذلك نجد ما يجتنيه الناس من المنافع والملائمات منجراً من المعارف والعلم بالحقائق، ولو أننا علمنا الحقائق كلها لاجتنبنا كل ما نراه موقعاً في البؤس والشقاء.
وقرأ الجمهور ﴿وَمَن يُؤْتَ﴾ بفتح المثناة الفوقية بصيغة المبني للنائب، على أن ضمير يؤت نائب فاعل عائد على من الموصولة وهو رابط الصلة بالموصول. وقرأ يعقوب: ﴿وَمَن يُؤْتِ الْحِكْمَةَ﴾ - بكسر المثناة الفوقية - بصيغة البناء للفاعل. فيكون الضمير الذي في فعل يؤت عائداً إلى الله تعالى، وحينئذ فالشاهد ضمير نصب محذوف والتقدير: ومن يؤته الله.
وقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ تذييل للتنبيه على أن من شاء الله إيتاء الحكمة هو ذو اللب. وأن تذكر الحكمة واستصحاب إرشادها بمقدار استحضار اللب وقوته. واللب في الأصل خلاصة الشيء وقلبه، وأطلق هنا على عقل الإنسان لأنه أنفع شيء فيه.»
[الطاهر بن عاشور | التحرير والتنوير]
August 3, 2026 54