علم النفس : مقالات - أبحاث: post #4747 — TG.ME

حين خانني عقلي
رحلتي من الارتياب إلى الاستبصار

- فاطمة

لطالما اعتقدت أن عقلي هو الشيء الوحيد الذي يمكنني الاعتماد عليه دون تردد. كنت أثق بأحكامي، وأؤمن بقدرتي على قراءة ما وراء الكلمات والتصرفات. لكن تجربةً قاسية أجبرتني على مواجهة حقيقة لم أتخيلها يومًا.. أن العقل نفسه قد يكون مصدر الخداع.!
كنت أعيش في حالة ترقب دائم، أراقب النظرة، الإيماءة، النبرة، وأبحث بين زواياها عن خطر محدق..
الأمر الذي كان يدفعني إلى الانسحاب من أي موقفٍ اجتماعي لا يمنحني تفسيراتٍ مريحةً لعقلي، والذي جعل علاقاتي الاجتماعية مضطربةً وغير مستقرة.
لم أعرف شعور الأمان قط، ولم أجرب الوثوق بشخص، وبشكل أدق لم أستطع، حتى في أدنى تفاعل بشري..
بدايات المرض لم تكن واضحة أبدا حتى للمحيطين..
مررتُ يومًا بموقفٍ جعلني بين نارين، وحمل معه كل علامات الاستفهام التي اعتاد عقلي أن يغرق فيها. عشتُ خلاله أول أعراض المرض دون أن أدرك ذلك.
في تلك الفترة، كنت أعتقد بل كان عقلي يجزم، أن رجلًا من محيطي يلتقط لي صورًا دون علمي، لمجرد أنه كان يجلس أمامي. لذلك أصبحت أتجنبه دائمًا. لم أجرؤ على مواجهته لغياب الدليل، لكن الفكرة كانت راسخةً في ذهني إلى درجة لا تقبل التشكيك.
كنت أُصاب بالهلع كلما رأيته يعبث بهاتفه وهو جالس أمامي. تتسارع دقات قلبي، وأتعرق بشدة، وينتهي بي الأمر إلى مغادرة المكان.
لم أكن أشعر أنني أفسر الأحداث بطريقة خاطئة. على العكس، كنت أرى نفسي الشخص الوحيد الذي ينتبه إلى ما يحدث فعلًا. لم يكن التحدي أن أجد دليلًا يؤكد الفكرة، بل أن أجد سببًا واحدًا يجعلني أشك فيها..
رافقني هذا الشعور لمدة سنتين كاملتين دون أن أُخبر أحدًا بما يدور في داخلي.
في النهاية صارحتُ والدتي بما أفكر فيه، لكن ذلك زاد الأمر تعقيدًا. فقد اتهمتني بسوء الظن والتوهم، بينما بقيتُ متمسكة بما كنت أراه حقيقةً لا تقبل الجدل.
ومع مرور الأيام، أخذ جنون الارتياب يتسع، ورافقه سلوك عدائي تجاه المحيطين بي. لم أعد أتردد في التعبير عن أفكاري واتهاماتي.
في إحدى المرات اتهمتُ والدتي بخيانة والدي، واتهمتُ والدي وأخي بأنهما يتآمران ضدي ويتراسلان بشأن ذلك.
لكن ما جعلني أتوقف وأصطدم بأفكاري حقًا هو ردود أفعالهم؛ فقد بدت صادقةً إلى حدٍّ أربكني.
وهكذا وجدتُ نفسي عالقةً بين أمرين، أفكار أؤمن بها إيمانًا جازمًا، وردود أفعال تبدو صادقةً ومنطقية. كان ذلك الصراع منهكًا إلى درجة لا تُحتمل.
ولم تكن مجرد أفكار أؤمن فيها كحقائق، بل كنت أتفاعل معها، بجميع حواسي..
بعدها اشتد الصراع، ولم أعد قادرة على تحمله، فقررت الانعزال.
كانت تلك من أصعب الفترات التي مررت بها في حياتي. كنت أنام لساعات طويلة، وأشعر بثقلٍ على صدري كلما استيقظت، لأن الاستيقاظ كان يعني العودة إلى المواجهة.
كان الصمت المطبق، مع أفكارٍ لا نهائية تلتهمني من الداخل، يدفعانني نحو الجنون..
وفي أحد الأيام، استيقظتُ ولم تعد لدي القدرة على مواجهة كل ذلك بمفردي. اتصلتُ بوالدتي وطلبتُ منها أن تأتي إلى غرفتي. وما إن دخلت حتى انفجرت بالبكاء، وقلت جملةً واحدة:
“أنا بحاجة إلى المساعدة.”
لم تنطق والدتي بكلمة. احتضنتني فقط.
في تلك اللحظة أعلنتُ استسلامي، وقلت مباشرة:
“أريد الذهاب إلى المصحة النفسية.”
لم يكن هدفي حينها الحصول على تشخيصٍ محدد، بل كنت أبحث عن أي وسيلة تخفف الضغط الهائل الذي أعيشه، وتنقذني من آثار العزلة التي أنهكتني.
أخذني والداي إلى الطبيب.
ما إن جلست أمامه حتى انهمرت بالبكاء. وبعد أن هدأت، بدأت أتحدث. كانت تلك المرة الأولى التي أعبّر فيها بصدقٍ كامل عن حقيقة ما أعانيه. كانت لحظة تحررٍ حقيقية بكل معنى الكلمة.
وصف لي الطبيب دواءً مهدئًا، دون أن يعطيني تشخيصًا محددًا في البداية. كان الهدف أن أهدأ أولًا، وأن تستعيد أفكاري شيئًا من الترتيب والوضوح.
التزمت بالعلاج، وبعد أسبوعين تقريبًا بدأت ألاحظ تغيرًا واضحًا. أصبحت أكثر هدوءًا، ولم تعد الأفكار تهاجمني بالشدة نفسها، كنت لا زلت أعيش صراعا، لكن بوعي وبشيء من الاستبصار، الأمر الذي لايجعلني أتفاعل مع الأفكار..
❤35👍8🥱2🤓2🤨1
June 23, 2026 7.5K 22