علم النفس : مقالات - أبحاث: post #4775 — TG.ME

الأسطورة والتحليل النفسي
سعد سوسه



إن الموضوعات الرئيسية التي تناولتها الأسطورة هي خلق الكون والإنسان، والموت، وكيفية حصول الشعب على الموطن الذي يسكنه وما أشبه ذلك. وتلعب الأسطورة دورًا رئيسًا في الحياة الاجتماعية والدينية للشعوب البدائية، خاصة وأن طقوس تلك الشعوب، واحتفالاتها، ونظمها الأخلاقية والاجتماعية تحتاج إلى تبرير، أو ربط بالماضي، وإلى جو من التقريب (1).
الأساطير: الأباطيل والأساطير أحاديث لا نظام لها، كذلك يقال: سطر فلان على فلان إذا زخرف له الأقاويل ونمقها، وتلك الأقاويل هي الأساطير والسطر. وقالوا عن الأسطورة أحدوثة وأحاديث، ولا بد لإكمال المعنى أن نتطرق إلى ورود كلمة الأساطير في القرآن الكريم والتي وردت في سورتين فقط؛ ففي سورة الأنفال نقرأ: {وإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا ۙ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}.
إن مصطلح الأسطورة يدل على مجموعة خاصة من الرموز الدينية التي تتميز من مفردات السلوك الرمزي كالعبادات والطقوس وأماكنها، وأحداث الأسطورة وموضوعاتها خارقة ليست مألوفة، فشخوصها من الآلهة والأبطال من البشر الذين يقومون بأعمال غير اعتيادية تختلف عن أعمال البشر الاعتياديين.
ويقول العالم الفرنسي كلود ليفي شتراوس عن الأسطورة: "هي حكاية تقليدية، تلعب الكائنات الماورائية أدوارها الرئيسة". إن الأسطورة الحية في المجتمعات البدائية القديمة تنتج نماذج السلوك البشري وتضفي على الوجود قيمة ومعنى.
فالأسطورة تروي تاريخًا مقدسًا جرى في الزمن البدائي، وهو زمن البدايات؛ بعبارة أخرى تحكي لنا الأسطورة كيف جاءت حقيقة ما إلى الوجود بفضل مآثر أقرتها الكائنات العليا، لا فرق بين أن تكون هذه الحقيقة كلية كالكون مثلاً، أو جزئية كأن تكون جزيرة، أو نوعًا من النبات، أو مملكة يسكنها الإنسان، أو مؤسسة، إذ هي سرد لعملية الخلق (2).
إذن فالأسطورة تركز على ماضي البشرية وحضارتها؛ لأنها في أساسها ليست مجرد ماضٍ للبشرية بل هي ماضٍ مقدس، أو على الأقل ينحو إلى القدسية، وهذه القداسة تلعب دورًا في حاضر البشرية أيضًا وتشارك وتؤثر في حياتها المعاصرة وتاريخها وحضارتها. فالأسطورة وتصوراتها الشعرية لم تكن مجرد قصة رمزية، بل هي ثوب اختاره البدائي بعناية للفكر المجرد.
إن دراسة الأساطير تقودنا إلى استبانات متناقضة، ففي الأسطورة متسع للحصول على أي شيء، ويبدو أن تتابع الأحداث لا يخضع لأي قاعدة من قواعد المنطق أو من قواعد التواصل. ومهما قُبِلت الأساطير على أوجهها، يبدو أنها تظل مقتصرة على كونها شكلاً أوليًا من أشكال النظر النفسي.
ومن هذا كله نجد أن الأسطورة هي نظام فكري متكامل، استوعب قلق الإنسان الوجودي وتوقه الأبدي لكشف النواقص التي يطرحها محيطه، والأحاجي التي يتحداه بها النظام الكوني المحكم الذي يتحرك ضمنه.
مع بداية العقد الثاني من القرن العشرين برزت مدرسة التحليل النفسي بزعامة كل من سيجموند فرويد وكارل يونغ، حيث ركز هذا الاتجاه على الجانب النفسي وتحليله. وقد اهتم كلا العالِمَين بتفسير الأسطورة من الجانب النفسي، ولقد برزت أبحاث العالم فرويد لتشمل كل المسائل ذات الطابع الإنساني، شاملةً بذلك الفرد والمجتمع والحاضرة؛ فمؤلفات فرويد مثل "الطوطم والتابو"، و"قلق في الحضارة" والكثير من المؤلفات لم تهتم فقط بالجانب النفسي، بل تعدته لتشمل كافة فعالياته الثقافية.
إن الجهد العلمي الذي بذله فرويد ترك أثرًا مهمًا في الثقافة المعاصرة، وأصبح أساسًا فكريًا وقاعدة انطلقت منها أتباعه ليطبقوا أبحاثهم في المجالات الاجتماعية كافة.
ويرى فرويد في نظريته النفسية بأن العقل البشري أشبه بجبل من الجليد، يمثل الجزء الصغير الطافي منه على سطح الماء منطقة "الشعور"، في حين يمثل الجزء الأكبر الذي لا يطفو على سطح الماء منطقة "اللاشعور". وفي هذه المنطقة الفسيحة من اللاشعور توجد الدفعات الغريزية، والشهوات، والأفكار، والمشاعر المكبوتة؛ وهو عالم سفلي نابع من القوى الحيوية غير المرئية التي تمارس سيطرة طاغية على أفكار الإنسان وأفعاله الشعورية (3).
ومن هذا المنطلق، فلقد وجد بأن الأسطورة -على الرغم من مظاهرها الكثيرة- فإنها قناع لشيء واحد وهو الجنس، وهي تراكمات تسببها تفاعلات اللاوعي (اللاشعور)، والأخير هو مصدرها الأساسي. ويصور فرويد اللاوعي (اللاشعور) على صورة قبو تختزن فيه الخيالات الجنسية دون أن يعلم الوعي (الشعور) شيئًا، وأن الأساطير هي ما يتحرر من هذا الخزين (4)؛ لذلك فقد اهتم بشكل خاص باللاشعور كمستودع للطاقة الغريزية وكمكنون تصوري هام للحياة النفسية.
❤20🥰2👍1
July 7, 2026 7K 38