علم النفس : مقالات - أبحاث: post #4776 — TG.ME

ولما كانت الأحلام تعتمد في مادتها على ماضي اللاوعي (اللاشعور)، فإن فرويد قد ربط بين لغة الأساطير ولغة الأحلام باعتبار أن الأولى ما هي إلا تعبيرات لتجارب ذات دلالة، مستفيدًا من بعض الأساطير لتوضيح رأيه؛ فأساس أسطورة "أوديب" مثلاً هي مادة علمية قديمة الأزل، متصلة بهذا الاضطراب الأليم الذي ينتاب علاقة الطفل بوالديه من جراء نزعاته الجنسية الأولى (5).
وهنا يكمن سؤال: ما هي علاقة الأسطورة بالحلم؟
يرى فرويد أن هناك تشابهًا في آلية العمل بين الحلم والأسطورة وتشابهًا في الرموز لكليهما، فهما نتاج العملية النفسية اللاشعورية؛ ففي الأسطورة كما في الحلم نجد الأحداث تقع خارج حدود الزمان والمكان، والبطل (كذلك صاحب الحلم) يخضع لتحولات سحرية ويقوم بأفعال خارقة، وهي انعكاسات لرغبات وأمانٍ مكبوتة تنطلق من عقالها بعيدًا عن رقابة العقل الواعي الذي يمارس دور الحارس على بوابة اللاشعور (6).
وبينما اهتم فرويد باللاشعور الفردي بوصفه مصدرًا للأساطير، نجد أن العالم كارل يونغ قد اهتم باللاشعور الجمعي بوصفه مستودعًا للذكريات الموروثة عن ماضي الأسلاف الأقدمين. هذا الماضي الذي يشتمل -فضلاً عن تاريخ الإنسان- على تاريخ أسلافه من البشر والحيوانات، ويحتوي على المتخلفات النفسية كافة لنمو الإنسان التطوري والمتراكمة نتيجة لخبرات متكررة لأجيال متعددة. هذه المتخلفات لا علاقة لها بشخص معين لأنها تكون مشاعة بين الجميع، وسبب شيوع اللاشعور الجمعي عند البشر كافة يرجع إلى أن البناء العقلي متشابه عند الجميع بسبب التطور المشترك. لقد نظر يونغ إلى شخصية الفرد باعتبارها نتاجًا ووعاءً يحتوي على تاريخ أسلافه.
إن نظرة يونغ إلى الشخصية هي نظرة إلى المستقبل، بمعنى أنها تنظر إلى الأمام منطلقة نحو مستقبل نمو الشخص وتطوره، كما أنها نظرة إلى الخلف بمعنى أنها تأخذ الماضي في اعتبارها. ويفسر يونغ اللاشعور الجمعي بأنه مخزن آثار الذكريات الكامنة التي ورثها الإنسان عن ماضي أسلافه الأقدمين، وهو الماضي الذي لا يشمل التاريخ العنصري للإنسان بوصفه نوعًا منفصلاً فحسب، بل إنه يشمل كذلك علاقة ما قبل الإنسان أو أسلافه من الحيوان؛ فاللاشعور الجمعي هو المتخلفات النفسية لنمو الإنسان التطوري، تلك المخلفات التي تتراكم نتيجة المنجزات المتكررة عبر الأجيال الكثيرة.
المصادر
1. د. شاكر مصطفى سليم، قاموس الأنثروبولوجيا، ص 660.
2. ابن منظور، لسان العرب، ص 364.
3. الأزهري، أبو منصور محمد بن أحمد، تهذيب اللغة، ج13، تحقيق الأستاذ أحمد عبد العليم البردوني، الدار المصرية للتأليف والترجمة، ص 327.
4. القرآن الكريم، سورة الأنفال، الآية 31.
5. عبد القادر عبد الناصر محمد نوري (المترجم)، الأسطورة وعلم الأساطير، عن الموسوعة البريطانية، بغداد، 1985، ص 25.
6. كلود ليفي شتراوس، الأسطورة والمعنى، ترجمة د. شاكر عبد الحسين، بغداد، 1986، ص 234.
❤25👍5🔥4
July 7, 2026 9.1K 42