في أكتوبر عام 1972، وقف جاك لاكان داخل الجامعة الكاثوليكية في لوفان، لا بوصفه محاضرًا عاديًا في التحليل النفسي، بل بوصفه ظاهرة فكرية مثيرة للجدل.. كان الرجل آنذاك قد صار اسمًا يصعب تجاهله، يراه البعض عبقريًا في تفكيك اللغة واللاوعي، ويراه آخرون مثقفًا غامضًا يستفزّ أكثر مما يشرح..
لم تكن طريقته في الكلام مباشرة، كان يتحدث بجُمل طويلة، وصمت محسوب، وسخرية لاذعة، وتلاعب بالكلمات، كما لو أن المعنى عنده لا يُعطى جاهزًا، بل يُجبر السامع على أن يتعثر فيه، ويقاومه، ثم يكتشفه داخل اللغة نفسها..
لكن المحاضرة لم تبقَ هادئة.. في لحظة مفصلية، قاطعه طالب متأثر بروح ما بعد مايو 1968، واتهمه بأنه يعيد إنتاج ما يزعم نقده (سلطة الأستاذ، وهيبة الجامعة، وخطاب النخبة الذي لا يفهمه إلا القليل).. هنا تحوّل المشهد من محاضرة أكاديمية إلى مواجهة رمزية بين جيل يريد إسقاط كل سلطة، ومحلل نفسي يعرف أن التمرد، حين لا يعي لاشعوره، قد يصنع سيدًا جديدًا باسم الحرية..
وهذا ما جعل تلك اللحظة تاريخية، لم تكن مجرد مقاطعة، بل انكشافًا حيًا لصراع كامل بين المعرفة والسلطة، بين الثورة والرغبة، بين الطالب المتمرّد والمعلّم الذي يرى في التمرد نفسه شكلًا آخر من أشكال التبعية..
كان لاكان يتكلم وكأنه يحلل الطالب أمام الجمهور، وكان الطالب يتصرف كما لو أنه يجسد بالضبط ذلك “الذات المتمرّدة” التي تحدث عنها لاكان في ندواته..
لذلك بقيت محاضرة لوفان مشهدًا نادرًا، لا نرى فيها نظرية تُشرح فقط، بل نرى حقبة كاملة وهي تتكلم، وتحتج، وتتناقض، وتنفجر أمام الكاميرا..
#جاك_لاكان
35
5
4
3
2June 17, 2026 6.1K 32