عندما نرى أزواجًا يُفرطون في النشر على فيسبوك منشورات حول حبّهم… — قناة مَسَار | محمود أبو عادي — TG.ME

عندما نرى أزواجًا يُفرطون في النشر على فيسبوك منشورات حول حبّهم وعلاقتهم، فإنّنا نميل تلقائيًا للاعتقاد بأنّهم أزواجًا سُعداء يعيشون علاقة مليئة بالحُبّ والالتزام.

لكنّ "السرّ غير اللطيف" هنا، هو ما تكشفه دراسات علم النفس الاجتماعي حول (الإفراط بالنشر) وتحديدًا دراسة للباحثة ليديا إيميري وزملائها، وهي أستاذة في علم النفس في جامعة شيكاغو، وقد وجدت في دراساتها أنّ:

الأزواج الذين يبذلون جُهدًا كبيرًا لبناء صورة رقمية خالية من العيوب لعلاقاتهم يعيشون في الحقيقة ضمن علاقات أقلّ جودة وأقلّ رضا ومليئة بالمشكلات مقارنة بأولئك الذين يُفضّلون عدم استعراض تفاصيل حياتهم الخاصّة.

الحقيقة أنّ النشر المُكثّف هنا.. ليس مُؤشّرًا على السعادة، بقدر ما هو محاولة للتعويض عن فجوة داخل العلاقة، محاولة لإظهار استقرار شكلانيّ، لا يُصادِق عليه الواقع.

من المهم أن ننتبه هنا أنّ الدراسة تتحدّث عن (المُشاركة المُفرِطة) Oversharing وليس عن مُجرّد المُشاركة أو أي مشاركة عفوية وموسمية ومُتباعدة حول العلاقة الزوجية وما يُحيط بها من حُبّ ومودّة وتعبير عن الامتنان المتبادل.

لكن لماذا نندفع للنشر عندما تهتزّ ثقتنا في شريك حياتنا؟

أثبتت أبحاث ليديا إيمري أنّ الأفراد يلجؤون إلى جعل علاقاتهم مرئية للغاية عبر الإنترنت (من خلال وضع صور الشريك كصورة شخصية، أو النشر المستمر للصور المُشتركة selfie، أو كتابة منشورات عديدة حول الشريك في التحديثات اليومية)، أقول.. تُشير الدراسات أنّ البشر يفعلون هذا، تحديدًا في الأوقات التي يشعرون فيها بقلق مرتفع وانعدام الأمان حول مشاعر شركائهم تجاههم، وفي الأحوال التي تجتاحهم فيها شكوك عمّا إذا كانت هذه العلاقة ستستمرّ أم لا، بالمستوى الّلاواعي أو شبه الواعي.

وقد توسّعت الباحثة تشين تشانغ C. Chang عام 2019 برصد هذه الظاهرة، حيث وجدت أنّ الأشخاص الذين يُعانون من هواجسَ مستمرّة حول شريكهم ومدى التزامه يكونون الأكثر استخدامًا لفيسبوك كأداة "لصيانة العلاقة" وأكثر سعيًا لاستدرار الاهتمام وتحصيل التوكيد والمُبارَكة والثناء من الآخرين، أي أنّهم يبحثون عن توكيد حول سلامة هذه العلاقة، من أشخاص هُم بالأساس خارج العلاقة نفسها.

وبالعودة لدراسة ليديا إيمري، فقد قامت وبطريقة لافتة بمنهجية الدراسة بتتبّع سلوك المشاركين يومًا بيوم، حيث تبيّن وبشكلٍ ملحوظ، أنّه في الأيام التي يشعر فيها الشخص بالتوجّس وانعدام الأمان والشكّ المتزايد في حبّ الطرف الآخر له، يرتفع مُعدّل نشره العاطفي عن علاقته على منصات التواصل بشكلٍ حادّ في ذلك اليوم تحديدًا.

بهذا المَعنى، يعمَل المنشور هنا يعمل كـ "مُسكّن مَوضعي" فالحصول على إعجابات وتعليقات إيجابية من الأصدقاء يمنح الشخص طمأنينة خارجية مُؤقّتة تُخمِد صوت القلق الداخليّ الذي يهمس له بأنّ علاقته الحالية مُهدّدة بالانهيار.

أخيرًا، ثمّة وجه آخر ترصده الدراسات، لظاهرة الإفراط بالنشر على منصّات التواصل الاجتماعي، حول العلاقة الزوجية أو العاطفية، تتعلّق أكثر بالغيرة، غيرة أحد الأزواج، وحاجته لإظهار نفسه بجانب زوجته أو زوجه، كعملية (تقارب قسريّ) في محاولة لإبعاد أيّة مُعجبين أو مُعجبات مُحتملات..

وللأسف هؤلاء الأزواج غالبًا ما يكونون الأكثر ميلًا لممارسة المراقبة المُستمرّة بطريقة مَرَضية وعُصابية لصفحة الشريك على منصات التواصل أو ما يُعرف شعبيًا بـ Stalking وهي لعبة عاطفية خطرة، تنتهي في الغالب بإحباط الشريك الآخر تمامًا وإنزعاجه، مما يُعطي نتيجة عكسية تمامًا للتقارب المنشود.
August 9, 2026 7.6K 84