مراجعة سريعة لأسباب تكفير السيوطي
نسبة «رشف الزلال» إلى السيوطي ليست دعوى قائمة على نسخة مجهولة وُضع اسمه عليها، بل الكتاب معروف في فهارس مؤلفاته ونُسب إليه قديمًا، وتعضد ذلك قصة تأليف المقامات التي اتفق أصحابها أن يكتب كل واحد منهم مقامةً بمصطلحات الفن الذي يحسنه. فلا يصح بعد اجتماع هذه القرائن أن يُدفع الكتاب باحتمال مجرد من جنس: لعل ناسخًا وضعه عليه، وإلا لزمنا بهذا المنهج إسقاط نسبة كثير من كتب المتقدمين إلى أصحابها، إذ ليست العبرة بوجود نسخة بخط المؤلف وإنما بثبوت النسبة تاريخيًا.
والمصيبة ليست في كون «رشف الزلال» كتابًا ماجنًا فحسب، فالفحش معصية، وإنما المصيبة في إقحام ألفاظ الوحي والمقدسات وصفات الله سبحانه في سياقات جنسية فاحشة، حتى استعمل ألفاظًا متعلقة بالعرش وغيره في هذا الباب. والاستهزاء بالله وآياته ليس ذنبًا دون الكفر، قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾.
ولا يقال هنا: لعل صاحبه لم يقصد الكفر. فالذين نزلت فيهم الآية اعتذروا أصلًا بأنهم كانوا يخوضون ويلعبون، فلم يجعل الله دعوى المزاح مانعًا من الحكم، لأن نفس اتخاذ المقدسات مادةً للهزل والاستهزاء هو الناقض.
ثم لا يقف ملف السيوطي عند «رشف الزلال»، بل نُقلت عنه الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم فيما لا يقدر عليه إلا الله، ونُقل عنه ما يتعلق بإتيان قبره لقضاء الحوائج. ودعاء الأموات والاستغاثة بهم في قضاء الحاجات الغيبية من جنس صرف العبادة لغير الله، ولا تتحول حقيقة الشرك إلى توسل مشروع لأن فاعلها عالم أو مصنف مشهور.
وهنا لا تنفع القاعدة المحدثة التي تجعل الكفر صفةً للقول وحده وكأن القائل منفصل عن قوله؛ فالقول إن كان ناقضًا صريحًا وثبت صدوره من قائله على حقيقته، فإن الحكم متعلق بالقائل الذي اعتقده أو فعله، لا بالألفاظ وهي معلقة في الهواء. كما أن شهرة الرجل وكثرة كتبه وألقابه ليست مانعًا شرعيًا من جريان أحكام الإسلام عليه.
ولهذا فالمسألة ليست: هل للسيوطي حسنات؟ وهل ألّف في الحديث والتفسير؟ فهذا كله خارج محل النزاع. السؤال واحد: هل ثبت عنه ناقض من نواقض الإسلام؟ فإذا ثبت الناقض الصريح، فالأسماء والألقاب لا تغيّر حكمه.
فالحق لا يُعرف بالرجال، وإنما الرجال يُعرفون بالحق، والميزان كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه السلف، لا شهرة المتأخرين ولا كثرة التصانيف.






