جبلك أربع أو خمس قصص بأحداث مختلفة، دمجهم ببعض وطلع منهم بنتيجة: «الكل من الكفر فرّوا».
وهاي مناسبة جيدة لناخد درسًا بسيطًا عن الاستقراء وأنواعه، ونعرف متى يكون الاستقراء حجة معتبرة، ومتى يكون مجرد جمع لعدة حوادث ثم استخراج نتيجة عامة منها لا تلزم أصلًا.
الاستقراء ببساطة هو أن تتتبع الجزئيات في باب معين لتصل من مجموعها إلى حكم عام. وهذا كثير في مسائل الدين والعلم، فتستقرئ نصوص القرآن في مسألة، أو تجمع الأحاديث الواردة في باب، أو تتتبع أقوال عالم في كتبه حتى تعرف مذهبه في مسألة، أو تستقرئ كلام طائفة وأئمتها حتى تعرف أصلًا مطردًا عندهم. فلا تأخذ نصًا واحدًا أو قولًا واحدًا وتبني عليه حكمًا عامًا مع وجود نصوص وأقوال أخرى قد تفسره أو تقيده أو تخالف ما فهمته منه.
والاستقراء من حيث الاستقصاء يكون تامًا أو ناقصًا. فالاستقراء التام أن تتتبع جميع الجزئيات الداخلة في المسألة التي تريد الحكم عليها، ثم تستخرج الحكم من مجموعها. فلو أردت مثلًا معرفة قول عالم في مسألة، فجمعت كلامه فيها من كتبه ومواضعه المختلفة واستوعبت ما وقفت عليه مما يتعلق بها، صار حكمك على مذهبه مبنيًا على استقراء واستقصاء، لا على عبارة مبتورة من موضع واحد.
أما الاستقراء الناقص فهو أن تتتبع بعض الجزئيات ثم تستخرج منها حكمًا عامًا يشمل ما لم تستقرئه. فقد تجمع عدة نصوص أو عدة أقوال لعالم ثم تقول إن هذا مذهبه المطرد، مع أنك تركت نصوصًا أخرى له قد تخالف النتيجة التي وصلت إليها. وكلما اتسع الاستقراء وكثرت مواضعه وبحث صاحبه عن المخالف كان أقوى، وكلما ضاق وانتقى صاحبه فقط ما يوافق النتيجة التي يريدها كان أضعف.
ولهذا لا يكفي أن تجمع أربع أو خمس حوادث توافق فكرتك ثم تقول: «الكل كذا». لأن لفظ الكل دعوى عموم، ودعوى العموم لا تثبت بمجرد انتقاء عدة أفراد وترك غيرهم، فضلًا عن أن تكون الحالات التي تركتها ناقضة للقاعدة نفسها.
2September 4, 2026 163 1 1