وقد غرّ إبليس أكثرَ الخلق بأنْ حسّن لهم القيام بنوع من الذكر والقراءة والصلاة والصيام والزهد في الدنيا والانقطاع، وعطّلوا هذه العبوديات؛ فلم يحدثوا قلوبهم بالقيام بها .. وهؤلاء عند ورثة الأنبياء من أقل الناس دينا !!
فإن الدين هو القيام لله بما أمر به؛ فتارك حقوق الله التي تجب عليه أسوأ حالا عند الله ورسوله من مرتكب المعاصي، فإن ترك الأمر أعظم من إرتكاب النهي من أكثر من ثلاثين وجها، ومَن له خبرة بما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم وبما كان عليه هو وأصحابه= رأي أن أكثر مَن يشار إليهم بالدين هم أقل الناس دينا، والله المستعان !
وأي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تُنتهك وحدوده تُضاع ودينه يُترك وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يُرغب عنها وهو بارد القلب ساكت اللسان ؟، شيطان أخرس (كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق) ؟؟
وهل بليّة الدين إلا من هؤلاء ؟!! .. الذين إذا سلمت لهم مآكلهم "ورياساتهم" فلا مبالاة لهم بما جرى على الدين ؟، وخيارهم المتحزّن المتلمّظ، ولو نوزِع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله= بذل وتبذل وجد واجتهد ، واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه .
وهؤلاء - مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم - قد بُلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم لا يشعرون، وهو موت القلوب؛ فإن القلب كلما كانت حياته أتمّ= كان غضبه لله ورسوله أقوى، وانتصاره للدين أكمل.
وقد ذكر الإمام أحمد وغيره أثرا: أنّ الله سبحانه أوحى إلى ملك من الملائكة أن اخسف بقرية كذا وكذا، فقال: يا رب، كيف وفيهم فلان العابد ؟، فقال الله: به فابدأ؛ فإنه لم يتمعّر وجهه فيّ يوما قط !!
وذكر أبو عمر في كتاب التمهيد: أن الله سبحانه أوحى إلى نبي من أنبيائه أن قُلّ لفلان الزاهد: أمّا زهدك في الدنيا فقد تعجّلت به الراحة، وأما انقطاعك إليّ فقد اكتسبت به العز، ولكن ماذا عملت فيما لي عليك؟، فقال: يا رب، وأي شيء لك عليّ؟، فقال الله: هل والَيْت فيّ وليّا، أو عاديت فيّ عدوّا ؟؟
ابن القيم، إعلام الموقعين


