🟢ثلاث حكايا.. وثمانية آلاف يوم في حب نبينا ﷺ
يحكون أن رجلاً أحب ليلى، وهام بها، وتحيّن إثبات حبه لها، فقدّر الله أن تمرض بفشل كلوي، فقيل له: هذه فرصتك، تبرّع بإحدى كليتيك لإثبات حبك، فقال: حبها في قلبي فمن أندره أسفل! وولّى هارباً.
ويحكون عن رجل صوفي اسمه سمسون كان يردد مناجياً ربه: (ليس لي في سواك حظ، فكيفما شئت فامتحنّي)
فامتحنه الله بعسر البول، وصار يتألم ألماً شديداً، ويطوف على كتاتيب الأطفال يقول: ادعوا لعمكم الكذاب!
دعونا من هذه الحكايا والدعاوى، فهي لا تسمن ولا تغني إذا جد الجد، وحصحص الحق، وتعالوا للاختبار الحقيقي في محبة النبي ﷺ كما ذكره الله في كتابه على لسان نبيه ﷺ:
{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}
فالاتباع هو المحبة الحقيقية وليست دعاوى العشاق.
فكل مسلم يعتقد بأن مولد نبينا ﷺ يوم خير عظيم للمؤمنين، بل كان أعظم من ذلك: فهو سعادة ورحمة للبشر كلهم، (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)
وكذلك كان يوم بعثته، ويوم هجرته، وكل يوم انتصر فيه، وكل يوم تهلل وجهه وابتسم فيه، هو يوم فرح لنا نحن المؤمنين، وبموته ﷺ أظلمت الدنيا كما قال أنس بن مالك رضي الله عنه: (لمّا كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلمّا كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء)
لكن أليس غريباً أن هذا النبي الكريم ﷺ مكث فينا ثلاثاً وعشرين سنة، وهي نحو ثمانية آلاف يوم، كلها حق وخير ونور ولم يحتفل خلالها بمولده؟ولا ببعثته؟ ولا بإسرائه؟ ولا بهجرته؟ ولا بيوم الفرقان انتصار بدر؟ أو فتح مكة؟ الخ
كان يعلمنا فيها كل شيء: كيف ننام ونأكل ونتزوج ونطلق ونبيع… الخ ولم يعلمنا كيف نحتفل بأي شيء!
وبعد وفاته ﷺ كان أبو بكر الصدّيق صاحب الغار والهجرة رضي الله عنه يحبه أعظم من محبتنا جميعاً، ولكنه لم يحتفل بالمولد ولا أمر به؟
أنكون أشد محبة من أبي بكر!
وكذلك الملهم عمر لم يحتفل، ولا عثمان الذي تزوج بنتيّ النبي ﷺ لم يحتفل، ولا ابن عمه علي بن أبي طالب الذي فداه في فراشه ليلة الهجرة، وزوج ابنته فاطمة لم يحتفل!
أنكون أشد حباً للنبي ﷺ من هؤلاء!؟
وكما أن من الحكايا ما هو زخرف وأنس ودعوى، فمنها ما يكون حقيقة كالنور المبين.
وقد بقيت حكاية من الحكايا الثلاث،
فيحكي ابن العربي عن الزبير بن البكار أن رجلاً أراد أن يلبّي للعمرة من المسجد النبوي وقبر النبي ﷺ وليس من الميقات، فسأل الإمام مالك، فنهاه وأمره أن يحرم من الميقات كما أمر النبي ﷺ.
فقال الرجل: إن المسجد قبل الميقات فهذا زيادة خير.
فقال مالك: أخشى أن تصيبك فتنة!
قال الرجل: وأي فتنة يرحمك الله في ذلك؟!
فقال مالك: وأي فتنة أشد من أنك ظننت أن قولك بالإحرام من المسجد، أحسن من قول النبي ﷺ بالإحرام من الميقات!
ثم قرأ قوله تعالى:
(فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)
قال الإمام الشاطبي معلقاً:
"وهذه الفتنة التي ذكرها مالك رحمه الله تفسير الآية هي شأن أهل البدع وقاعدتهم التي يؤسسون عليها بنيانهم، فإنهم يرون أن ما ذكره الله في كتابه وما سنّه نبيه ﷺ دون ما اهتدوا إليه بعقولهم"
فكم من عبقري كالإمام مالك يرى فعل النبي ﷺ وقوله أحسن من آرائنا، وكم من صاحب دعوى كعاشق ليلى وسمسون.




