العِلْـمُ والإِرَادَةُ ] « وكمالُ كلِّ إنسانٍ إنما يتمُّ بهذين… — أبُو عبدِ اللهِ أَكْرَم — TG.ME

أبُو عبدِ اللهِ أَكْرَمPhoto
[ العِلْـمُ والإِرَادَةُ ]

« وكمالُ كلِّ إنسانٍ إنما يتمُّ بهذين النوعين: هِمَّةٌ ترقِّيه، وعلمٌ يبصِّره ويهديه= فإنَّ مراتبَ السعادةِ والفلاح إنما تفوتُ العبدَ من هاتين الجهتين، أو من إحداهما:

إمَّا أن لا يكون له علمٌ بها، فلا يتحركُ في طلبها.

أو يكون عالمًا بها ولا تنهضُ همَّتُه إليها.

فلا يزالُ في حضيض طبعه محبوسًا، وقلبُه عن كماله الذي خُلِقَ له مصدودًا منكوسًا، قد أسامَ نفسَه مع الأنعام راعيًا مع الهَمَل، واستطابَ لُقَيْمات الراحة والبَطالة، واسْتَلانَ فراشَ العجز والكسل، لا كمن رُفِعَ له عَلَمٌ فشمَّر إليه، وبُورِكَ له في تفرُّده في طريق طلبه فلزمه واستقام عليه، قد أبَتْ غَلَباتُ شوقِه إلا الهجرة إلى الله ورسوله، ومقَتَت نفسُه الرفقاءَ إلا ابنَ سبيلٍ يرافقُه في سبيله.

ولما كان كمالُ الإرادة بحسب كمال مرادها، وشرفُ العلم تابعٌ لشرف معلومه، كانت نهايةُ سعادة العبد التي لا سعادة له بدونها ولا حياة له إلا بها أن تكون إرادتُه متعلقةً بالمراد الذي لا يبلى ولا يفوت، وعَزَماتُ همَّته مسافرةً إلى حضرة الحيِّ الذي لا يموت.

ولا سبيل له إلى هذا المطلب الأسنى والحظِّ الأوفى إلا بالعلم الموروث عن عبده ورسوله وخليله وحبيبه، الذي بعثه لذلك داعيًا، وأقامه على هذا الطريق هاديًا، وجعله واسطةً بينه وبين الأنام، وداعيًا لهم بإذنه إلى دار السَّلام، وأبى سبحانه أن يفتحَ لأحدٍ منهم إلا على يديه، أو يقبل من أحدٍ منهم سعيًا إلا أن يكون مبتدئًا منه ومنتهيًا إليه [ ١ ] ، فالطرقُ كلُّها إلا طريقَه - ﷺ - مسدودة، والقلوبُ بأسرها إلا قلوبَ أتباعه المنقادة إليه عن الله محبوسةٌ مصدودة.

فحقٌّ على من كان في سعادة نفسه ساعيًا، وكان قلبه حيًّا عن الله واعيًا، أن يجعل على هذين الأصلين مدارَ أقواله وأعماله، وأن يُصَيِّرهما آخِيَّتَه التي إليها مفزعُه في حياته ومآله.

فلا جَرَمَ كان وضعُ هذا الكتاب مؤسَّسًا على هاتين القاعدتين، ومقصودُه التعريف بشرف هذين الأصلين، وسمَّيتُه: «مفتاح دار السَّعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة» »
[ مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة لابن القيم - ط عطاءات العلم (١ ‏/ ١٢٥ - ١٢٦ ) ]


[ ١ ] : يعني رحمه الله ب : مبتدئًا منه: أي من تعليمه وهديه وشرعه الذي جاء به من عند الله عز وجل .

ومنتهيًا إليه: أي موافقًا لهديه وسنته لا يخرج عنه ولا يزيد ولا يبتدع ولا ينقص بل يلتزم بسنته صلى الله عليه وسلم .
September 7, 2026 44