أيها السادة، ​كي نفهم النار، يجب أولاً أن نتطهر من وهم الاعتقاد بأننا… — الطبيعاني الدوري — TG.ME

الطبيعاني الدوريPhoto
أيها السادة،

​كي نفهم النار، يجب أولاً أن نتطهر من وهم الاعتقاد بأننا نعرفها عبر أجهزة المختبر أو قوانين الفيزياء الكلاسيكية. إن العلم المعاصر قد أقصى النار من كتبه؛ أحل محلها الكيمياء الحرارية والتفاعلات الذرية، ظاناً أنه بذلك قد أعدم الظاهرة. لكن النار لم تُعدم، بل انسحبت إلى ملاذها الأول: إلى أعماق الوجدان، إلى ذلك اللاوعي الشاعر الذي لم يزل يحتفظ بوهجها الأصيل.

​إن المعرفة الأولى بالنار ليست معرفة تجريبية أو موضوعية على الإطلاق، بل هي تجربة مشحونة بأسطورة الوجدان والتناقضات المطلقة. النار هي الكائن الوحيد في العالم الذي يفرض على مخيلتنا قبول القيمة ونقيضها في آن واحد: إنها نبع الدفء والخير والحياة، وفي الوقت نفسه أداة العذاب والشر والدمار؛ هي الحارس الوديع على جانب الموقد، وهي الوحش المفترس الذي يلتهم كل شيء. أمام هذا الانبهار التأملي، يقف العقل الشاعر مشلولاً، مسحوراً بأحلام اليقظة، فلا يعود يرى المادة، بل يرى سر الوجود.

​وهنا نتساءل: كيف يتأسس في نفس الطفل هذا الاحترام المهيب للنار؟
​يقال لنا عادة إن الطفل يتعلم خطورة النار حين يكتوي بلهبها؛ أي عبر الوازع الطبيعي والخبرة الحسية المباشرة. ولكن كم هذا الفهم سطحي وساذج! إن الطفل يمنع يده من الاقتراب من النار قبل أن تحرقه دهوراً، يمنعها لأن يداً أخرى تتدخل: يد الأب، السلطة الأبوية، نهي المجتمع. إن الوازع الاجتماعي هو الذي يسبق الوازع الطبيعي ويؤسسه. الطفل لا يكتشف خطورة النار ببدنه، بل يتلقى "حظرها" بعقله النقدي الجنيني. تصبح النار في ذهنه ليس مجرد ظاهرة حرارية، بل رمزاً للممنوع الكبير، وسر الكبار المغلق الذي يُحرم عليه خوضه.

​ومن هذا المحظور الاجتماعي بالذات، تتخلق في النفس البشرية تلك الديناميكية النفسية المعرفية التي أسميها «عقدة بروميثيوس».

​إن الطفل، حين يختلس النظر إلى عود الثقاب، أو ينتهز غفلة الأب ليدنو من الموقد، لا يفعل ذلك بدافع الفضول العلمي المجرد، بل يدفعه حافز أعمق وأكثر إغواءً: إنه يريد أن يتجاوز الحظر، أن يعرف ما يعرفه الكبار، أن يصبح مساوياً لأبيه، بل وأن يتفوق عليه! إنها إعادة إنتاج لأسطورة بروميثيوس الذي سرق النار من الأولمب المتكتم؛ فالمعرفة هنا لا تولد كفعل استيعاب هادئ، بل تتشكل كفعل تمرد، كجريمة معرفية نبيلة تُثبت بها الذات وجودها واستقلالها ضد السلطة. نحن لا نتعلم لنعرف فحسب، بل نتعلم لننزع السحر عن معرفة آبائنا ومعلمينا ونتجاوزهم.


مُستلهم من كتاب
النار في التحليل النفسي
❤6
September 1, 2026 57 1