تحرير الأوهام في ذات الحسن و القبح قولنا الأول في سبر أحكام العقل… — الطبيعاني الدوري — TG.ME

تحرير الأوهام في ذات الحسن و القبح

قولنا الأول في سبر أحكام العقل وتصنيف القضايا ولما كان العقل الحاكم لا يورد أحكامه على القضايا إلا من خلال أربع مراتب محصورات

الأوليات واليقينيات وهي القضايا التي لا يتوقف جزم العقل بصدقها إلا على تصور طرفيها 'قولنا الكل أعظم من الجزء'

​المشهورات والمحمودات وهي القضايا التي يقرها العقل لتلاؤم الطباع وصلاح نظام العالم والاستحسان العرفي

​التجريبيات والحدسيات وهي القضايا التي تثبت بالمشاهدة واطراد العادة الحسية

​الوهميات والخياليات وهي أحكام الوهم الصادرة في غير المحسوسات

التحرير:
القضية الذاتية البرهانية محمولها ينتزع من عين ماهية موضوعه أو من لوازمه البيّنة بالمعنى الأخص (كقولنا الزوجية عارضة للأربعة) ولهذا يمتنع عقلاً انفكاك المحمول عن الموضوع بحسب أصل الماهية والتصور وسلبه يوجب تناقضاً لذات المفهوم

أماالقضية الأخلاقية الاعتبارية محمول الحُسن أو القبح ليس حداً ذاتياً لماهية الصدق أو العدل ولا لازماً ماهوياً مجرداً وإنما هو محمول بالإضافة (من مقولة الإضافة، نُبيّن بعد قليل ) انزعته القوة العاقلة العملية بالقياس إلى نفع الأفعال وضررها بالبنية البدنية والاجتماعية ولو كان الحُسن ذاتياً للصدق لما جاز سلب الحُسن عنه بحال لكنّ سلب الحُسن عن الصدق يقع واجباً عند إفضائه إلى هلاك النفس أو إفساد نظام واجب العصمة وسلب الذاتي عن الماهية محال عقلاً فثبت أن الحُسن ليس بصفة ذاتية موضوعية

فكل فعل حيوي صدوري هو فعلٌ صادِر عن القوة العضوية المسخرة بالصورة النوعية موجَب بالطبيعة ​وكل فعلٍ موجَب بالطبيعة والصورة النوعية فإن غايته هي استبقاء الصورة في المادة لزوماً ​فيترتب حفظ الذات ليس غاية قصدية تكليفية بل ها هنا هو الأثر الطبيعي المعلول لطبائع القوى البدنية بالضرورة الطبيعية

المطلب للآخر لإثبات أن الأحكام التقويمية ليست صفات قائمة بالأعيان الخارجية لو كان الحُسن والقُبح صفات خارجية موضوعية قائمة بالأفعال (كالكيفيات الطبيعية من حرارة وبرودة) لوجب ثبوتها للفعل بقطع النظر عن وجود النفس المدركة والتركيب العصبي
لكن المقدم باطل إذ بانتفاء العقل العملي والدماغ ينتفي مفهوم الحُسن والقُبح رأساً فلا يُحكم على حركة الأجرام أو المادة الصماء بحسن ولا بقبح رفع التالي يترتب على ذالك الأحكام الأخلاقية لا تحقق لها في نفس الأمر بل هي انتزاعات ذهنية إضافية مشروطة بالمُدرِك


مطلب للآخر مراتب الصدور في الحكمة الطبيعية تتنزل الأفعال في الكائن الحي عبر مراتب العلل المتولدة من النفس والبدن

اولا. النفس النباتية القوة الغاذية والمولدة حفظ الهيكل والمادة الحيوية
ثانيا. النفس الحيوانية القوة الشهوية والغضبية جلب الملائم ودفع المنافر ثالثا. العقل العملي المُدْرِك الجزئي
في حساب مقادير النفع وتدبير البقاء
رابعا. البدن والوسائط الجهاز العصبي والهرمونات الآلة المباشرة للانفعال والحركة

فالعقل العملي ليس قوة مدركة لكليات مجردة مفارقة للمادة بل هو قوة تدبيرية خادمة للنفس الحيوانية والنباتية فعند عجز القوى البدنية المنفردة عن المغالبة الاستباقية يرتسم في العقل العملي قياسٌ منفصل "إما الانفراد فيلزم التلف والهلاك المادي وإما التعاون فيلزم استبقاء البدن" فيحكم العقل العملي بلزوم التعاون فهذا اللزوم ليس حكماً بفضيلة مجردة في عين التعاون بل هو انتخاب وسيلي لأقل الطرفين ضرراً على المادة حذراً من الاضمحلال الطبيعي

مطلب للآخر عند السبر المنطقي للمانع الداخلي الذي يكف الإنسان عن القبيح عند غياب الرقيب الخارجي ينحل المانع إلى قياس انفعالي عضوي مركب
في المرتبة الأولى الاستثارة الحوفية طروء صورة الفعل المنافر للتكيف الاجتماعي استثارة الدوائر الحوفية انبعاث الهرمونات المنبهة بالخطر
في المرتبة الثانية تقابل اللذة المباشرة للفعل مع ألم النبذ والخوف من اختلال الأمن ترجّح المانع المصلحي انقباض القوة الفاعلة في العضلات
المرتبة الثالثة تكرار الاشتراط الاجتماعي انطباع هيئة انفعالية راسخة في المادة العصبية

مطلب للآخر تُحصَر أحكام الأخلاق بالتحليل المقولي (أعني المقولات)
إبطال مقولة الجوهر لأن الأخلاق لا تقوم بذاتها دون موضوع
​إبطال مقولة الكيف النفساني المستقر لأن الصفة الأخلاقية ليست هيئة ثابتة في الفعل بل تتغير بتغير المتعلقات

إثبات مقولة الإضافة الحسن والقبح مقولان بالإثبات والنسبة حيث يكون الفعل موضوعاً والنتيجة الحيوية محمولاً

كل مقولة إضافية (A بالنسبة إلى B) تتغير ذاتيتها ومحمولاتها لزوماً بتغير الطرف المضاف إليه (B)

والطرف المضاف إليه في القضايا الأخلاقية متغير ومتبدل بحسب العصر والطبيعة والبيئة

يلزم إن الأحكام الأخلاقية متغيرة ومتبدلة لزوماً بتغير أطراف إضافتها

إنتهى.
باروخ الرُشدي-
❤‍🔥7🔥1
August 21, 2026 188 6