إذن السؤال ليس بحاجة إلى خطاب سياسي طويل: إذا كانت النيابة تعتبر تقويض النظام الدستوري جريمة تستوجب هذه الدرجة من العقاب، فأين تحقيقها في انقلاب 25 أكتوبر؟ وإذا كان لديها تفسير قانوني يجعل انقلاباً عسكرياً على مؤسسات الانتقال خارج نطاق المادة 50، بينما يجعل أفعالاً سياسية لمدنيين داخلة فيها، فعليها أن تشرح هذا التفسير للرأي العام والمحاكم. أما إذا لم يوجد تفسير قانوني متماسك، فإن الانتقائية تصبح سؤالاً لا يمكن إخفاؤه خلف أسماء المواد الجنائية.
من يحمي النظام الدستوري ممن؟
القضية في النهاية ليست دفاعاً عن حمدوك أو خالد عمر أو محمد الفكي أو مجاهد بشرى، وليست دفاعاً عن أي شخص ارتكب جريمة حقيقية تحت غطاء العمل السياسي، كما أنها ليست مطالبة بإدانة البرهان دون تحقيق ومحاكمة، القضية هي المطالبة بمعيار قانوني واحد، إذا ارتكب المعارض جريمة، فليحاسب عليها، وإذا ارتكب الحليف الجريمة نفسها، فليحاسب عليها، وإذا ارتكب قائد عسكري انقلاباً يثير شبهة تقويض النظام الدستوري، فلا ينبغي أن يصبح موقعه في قمة السلطة سبباً يمنع التحقيق في مسؤوليته، وإذا كان ما فعله السياسي مجرد رأي سياسي مشروع، فلا ينبغي أن يحتاج إلى رضا قائد السلطة لكي يستعيد حريته من بلاغ لم يكن ينبغي فتحه أصلاً.
ومن هنا فإن القرار 363 قد تكون له نتيجة لم يقصدها واضعوه، فبدلاً من أن يغلق ملف البلاغات السياسية، أعاد فتح السؤال عن مصدرها، ومشروعيتها، والجهة التي تحركها، والجهة التي تستطيع إيقافها، وحدود استقلال النيابة عن السلطة التي يقودها البرهان، فإذا كان قائد السلطة يستطيع اليوم إصدار قرار يغير المصير العملي لبلاغات خصومه عندما يريدهم في الحوار، فمن المشروع أن يسأل السودانيون لماذا لم يتحرك النظام العدلي نفسه بصورة مستقلة تجاه الانقلاب الذي قاده هذا الرجل في 25 أكتوبر 2021.
ويمكن اختصار القضية كلها في ثلاثة أسئلة مترابطة: إذا كان ما فعله المعارضون جريمة، فكيف تمحوها مشاركتهم في الحوار؟ وإذا كان ما فعلوه مجرد سياسة، فلماذا جُرِّم من الأصل؟ وإذا كان تقويض النظام الدستوري جريمة تستحق الإعدام، فأين التحقيق في انقلاب 25 أكتوبر الذي قوض النظام الانتقالي بالقوة العسكرية؟
فالعدالة لا تختبر قوتها عندما تحاكم خصوم الحاكم؛ بل عندما تستطيع تطبيق القانون على الحاكم نفسه، وإذا كانت المادة 50 قد وُضعت لحماية النظام الدستوري، فإن أول امتحان لمصداقية استخدامها ليس عدد المعارضين الذين يمكن وضع أسمائهم تحتها، وإنما ما إذا كان القانون قادراً على الوصول إلى من استولى على السلطة بالقوة العسكرية أيضاً، وإلا فإن السؤال لن يكون: من قوض النظام الدستوري؟ بل: من يملك سلطة تعريف التقويض، ومن يملك النيابة التي تقرر من يُتهم به ومن يُعفى منه؟
3
2September 4, 2026 253