قراءة قانونية في سلطة البرهان، واستقلال النيابة، وبلاغات «تقويض… — مجاهد بشرى - عشم — TG.ME

قراءة قانونية في سلطة البرهان، واستقلال النيابة، وبلاغات «تقويض النظام الدستوري»، ومفارقة إسقاط الاتهامات عندما تتحول الخصومة إلى حوار

لم يعد السؤال الذي يثيره قرار عبد الفتاح البرهان رقم 363 لسنة 2026 مجرد سؤال عن مشروعية شطب بلاغات المعارضين السودانيين في الخارج مقابل عودتهم للمشاركة في الحوار. فبعد النظر إلى القرار في سياقه الكامل، يصبح السؤال أكبر وأخطر: بأي صفة سياسية ودستورية يصدر قائد انقلاب عسكري قراراً يترتب عليه شطب بلاغات جنائية قُيدت بواسطة أجهزة الدولة ضد خصوم سلطته، بينما تظل واقعة انقلاب 25 أكتوبر 2021 نفسها، التي قادها البرهان خارج المساءلة الجنائية المماثلة أمام النيابة التي تستخدم مواد «تقويض النظام الدستوري» ضد المعارضين؟ وإذا كانت النيابة مستقلة بالفعل، فلماذا تستطيع السلطة السياسية التأثير في مصير بلاغات المعارضين عندما تحتاج إليهم في حوار، بينما لا يظهر في السجل العلني تطبيق مماثل للقانون على الواقعة التي قُوِّض فيها النظام الدستوري نفسه؟

في الأول من سبتمبر 2026 أعلن وزير العدل بسلطة بورتسودان غير الشرعية عبد الله درف أن البرهان أصدر القرار رقم 363 لسنة 2026، متضمناً شطب البلاغات الجنائية المقيدة بواسطة أجهزة الدولة في مواجهة السودانيين المقيمين بالخارج الذين يدخلون البلاد للمشاركة في الحوار السوداني-السوداني، وتفيد التفاصيل المنشورة بأن الضمانات تتصل بالبلاغات المتعلقة بفعل أو قول عُدّ رأياً سياسياً، إلى جانب إسقاط الاتهامات ومنح المشاركين حصانة إجرائية مؤقتة وحماية الآراء التي يطرحونها أثناء الحوار من الملاحقة الجنائية، وهذا ليس استنتاجاً سياسياً بشأن مضمون القرار؛ وكالة السودان للأنباء نفسها نقلت عن وزير العدل أن البرهان أصدر القرار بشطب البلاغات الجنائية للمشاركين في الحوار، فيما أوردت مصادر أخرى تفاصيل إسقاط الاتهامات والحصانة المؤقتة.

وهنا تظهر المفارقة الأولى: لماذا يحتاج الرأي السياسي أصلاً إلى قرار من قائد السلطة الإنقلابية لكي يصبح غير قابل للملاحقة؟ مجموعة من القانونيين أثارت الاعتراض نفسه عقب صدور القرار، معتبرة أن التعبير عن الرأي السياسي وممارسة حرية التعبير لا يشكلان جريمة حتى يحتاج أصحابهما إلى حصانة، وأن شطب البلاغات إذا كانت قد قُيدت أصلاً بسبب مواقف سياسية لا يعالج أصل المشكلة المتمثلة في استخدام الإجراءات الجنائية ضد ممارسة حق سياسي. كما شددت المجموعة على ضرورة احترام استقلال النيابة والقضاء والمساواة أمام القانون وعدم استخدام أي ترتيبات سياسية لتعطيل المساءلة عن الجرائم الجسيمة

بالأمس: «اتهامات جنائية وليست سياسية»

تزداد المفارقة وضوحاً عندما نعود إلى أبريل 2024. فقد أصدرت النيابة أوامر قبض بحق عبد الله حمدوك و15 من قيادات تنسيقية القوى المدنية الديمقراطية «تقدم»، ومن بينهم خالد عمر يوسف ومحمد الفكي سليمان وياسر عرمان وآخرون، بعد توقيع إعلان سياسي مع قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو، ولم تكن المواد المستخدمة بسيطة؛ فقد شملت، وفق المصادر المنشورة، المواد 26 و50 و51 من القانون الجنائي، وهي مواد تتعلق بالاشتراك الجنائي وتقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة، ويمكن أن تصل عقوبة بعضها إلى الإعدام، وعندما قيل إن الملاحقات سياسية، دافع النائب العام عنها بصورة صريحة، قائلاً إن هذه «الاتهامات جنائية وليست سياسية»، وإنها تتعلق بالتحريض على التمرد والاستيلاء على السلطة بالقوة وتقويض النظام الدستوري والتعاون مع الدعم السريع.

هذه العبارة يجب أن تبقى في قلب أي تحليل قانوني للقرار الجديد: «جنائية وليست سياسية»، لأن السلطة تقول اليوم إن البلاغات المتعلقة بـ«فعل أو قول سياسي» يمكن شطبها عندما يدخل أصحابها السودان للمشاركة في الحوار، وهنا يصبح السؤال حتمياً: ما الذي تغير في طبيعة الفعل؟ فإذا كان توقيع إعلان سياسي أو الاتصال بطرف في الحرب يحقق بالفعل أركان تقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة، فإن قبول المتهم دعوة البرهان للحوار لا يغير الواقعة الجنائية ولا يمحو أركانها، أما إذا كانت تلك الأفعال في حقيقتها نشاطاً أو موقفاً سياسياً، فإن السؤال يصبح: لماذا استُخدمت في مواجهتها منذ البداية نصوص جنائية بهذه الخطورة؟

ولهذا يضع القرار السلطة أمام احتمالين يصعب التوفيق بينهما، إما أن البلاغات كانت جنائية حقيقية، وعندها يصبح إسقاطها بسبب المشاركة في حوار سياسي تدخلاً للسياسة في مصير الدعوى الجنائية؛ أو أنها كانت بلاغات سياسية منذ البداية، وعندها يصبح القرار الجديد دليلاً على ضرورة التحقيق في الكيفية التي تحولت بها الخصومة السياسية إلى اتهامات بتقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب والإرهاب. وفي الحالتين، لا يكفي وصف القرار بأنه «تهيئة للمناخ السياسي»، لأن السؤال يتعلق بأصل البلاغات وباستقلال الجهة التي حركتها قبل أن يتعلق بالطريقة التي ستنتهي بها.
❤4
September 4, 2026 313