لكن المفارقة تصبح أكثر حدة عندما تكون المادة 50 ضمن المواد الموجهة إليّ وإلى معارضين آخرين، بينما الرجل الذي يقف على رأس السلطة التي تلاحقنا هو نفسه قائد انقلاب 25 أكتوبر، كيف يصبح الصحفي أو السياسي متهماً بتقويض النظام الدستوري، بينما لا يظهر تحقيق جنائي مماثل في الانقلاب العسكري الذي عطل ذلك النظام بالفعل؟ وكيف يمكن إقناع المواطن باستقلال النيابة عندما تتحرك مواد حماية النظام الدستوري إلى أسفل ضد خصوم السلطة، ولا تتحرك بالوضوح نفسه إلى أعلى عندما يتعلق الأمر برأس السلطة؟
ثم يقول قائد الانقلاب للمعارضين: عودوا وسنشطب البلاغات
هنا تبلغ المفارقة ذروتها، فالسلطة التي استخدمت مواد تقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة والإرهاب ضد خصومها، تقول اليوم لمن هم في الخارج إن عودتهم للمشاركة في الحوار يمكن أن تقترن بشطب البلاغات المتعلقة بأقوالهم وأفعالهم السياسية، والسؤال هنا ليس لماذا تريد الدولة توفير ضمانات للحوار؛ تهيئة المناخ للحوار في ذاتها ليست مشكلة، المشكلة هي أن وجود هذه البلاغات أصلاً، ثم إمكانية إنهائها بسبب قرار المشاركة السياسية، يكشف العلاقة المحتملة بين المسار الجنائي والمسار السياسي.
لنفترض أن شخصاً متهم بالمادة 50 بسبب فعل حقيقي يقصد به تقويض النظام الدستوري، إذا عاد هذا الشخص للمشاركة في الحوار، هل يتوقف الفعل بأثر رجعي عن كونه جريمة؟ وإذا كان الجواب لا، فلماذا يشطب البلاغ؟ أما إذا كان الفعل مجرد رأي أو نشاط سياسي مشروع، فلماذا قُيد البلاغ أصلاً؟ وفي الحالتين، تصبح مشاركة الشخص في الحوار معياراً غريباً لتحديد مصير دعوى يفترض أنها تقوم على الوقائع والأدلة، لا على قرار المتهم قبول مبادرة سياسية أو رفضها.
والأخطر أن هذه المعادلة تجعل شخصين متهمين بالفعل نفسه عرضة لمعاملتين مختلفتين: أحدهما يقبل الحوار فيستفيد من الشطب أو الضمانة، والآخر يرفض الحوار فتبقى الملاحقة قائمة، فإذا حدث ذلك، لن يكون الفرق بين الاثنين في أركان الجريمة أو قوة الأدلة، وإنما في موقفهما السياسي من مبادرة السلطة. وعندها يصبح القانون نفسه جزءاً من أدوات إدارة المجال السياسي.
المشكلة ليست فقط ازدواجية المعايير.. بل استقلال النيابة
يمكن للسلطة أن تدافع عن نفسها بالقول إن الشطب مجرد إجراء استثنائي لتحقيق مصلحة وطنية أكبر هي الحوار، لكن ذلك لا يجيب عن السؤال الأصلي: لماذا كانت هذه البلاغات موجودة أصلاً؟ ولا يجيب عن السؤال الأكثر حساسية: لماذا تستطيع السلطة التأثير في نهايتها بينما لا تظهر النيابة الاستقلال نفسه في مواجهة السلطة؟
إذا كانت النيابة مستقلة، فإن استقلالها يجب أن يعمل في الاتجاهين، يجب أن تكون قادرة على ملاحقة معارض ارتكب جريمة حقيقية، حتى لو كان ذلك غير مريح سياسياً، وأن تكون قادرة كذلك على التحقيق مع صاحب أعلى سلطة في البلاد إذا وجدت شبهة جنائية في أفعاله، حتى لو كان ذلك أكثر خطورة عليها مؤسسياً، أما استقلال يسمح بملاحقة الخصوم ولا يظهر أثره عندما يتعلق الأمر بأفعال الحاكم نفسه، ثم يسمح للسياسة بالتدخل لإنهاء ملاحقة الخصوم عندما تتغير الحاجة إليهم، فهو استقلال يحتاج إلى إثبات عملي.
ولهذا فإن انقلاب 25 أكتوبر ليس تفصيلاً تاريخياً يمكن وضعه في هامش هذا النقاش؛ إنه الاختبار المركزي، فالسلطة التي تستخدم نص «تقويض النظام الدستوري» نشأت في صورتها الحالية من واقع انقلاب عسكري على الترتيبات الانتقالية، والاتحاد الأفريقي علق مشاركة السودان بسبب التغيير غير الدستوري، وحميدتي نفسه أقر لاحقاً بمشاركته في «انقلاب 25 أكتوبر» ووصفه بالخطأ، ومع ذلك، فإن السجل العلني الذي بين أيدينا يعرض بلاغات بالمادة 50 ضد سياسيين وصحفيين ومدنيين، ولا يعرض مساراً جنائياً مستقلاً مماثلاً يختبر مسؤولية قادة انقلاب 25 أكتوبر عن تقويض النظام الدستوري الذي تقول النيابة إنها تحميه.
إذا كان انقلاباً، فأين البلاغ؟
هذه ربما تكون أبسط طريقة لصياغة المسألة كلها، لدينا واقعة 25 أكتوبر 2021: استيلاء عسكري على السلطة، تعطيل للمؤسسات الانتقالية، اعتقال لرئيس الوزراء ومسؤولين مدنيين، وتعليق أفريقي لمشاركة السودان بسبب التغيير غير الدستوري، ولدينا أحد المشاركين الرئيسيين في الواقعة، حميدتي نائب البرهان حينئذ، يصفها لاحقاً بنفسه بأنها «انقلاب 25 أكتوبر» ويقول إن مشاركته فيه كانت خطأ، ولدينا في الجهة المقابلة مادة جنائية اسمها «تقويض النظام الدستوري»، تستخدمها النيابة ضد خصوم السلطة، وتصل عقوبتها وفق النص إلى الإعدام أو السجن المؤبد.
September 4, 2026 235