لكن من الذي قوض النظام الدستوري فعلياً في 25 أكتوبر؟ هنا نصل إلى… — مجاهد بشرى - عشم — TG.ME

لكن من الذي قوض النظام الدستوري فعلياً في 25 أكتوبر؟

هنا نصل إلى الجزء الذي يجعل القضية أكثر خطورة. المادة 50 من القانون الجنائي لسنة 1991 تجرّم الفعل المرتكب بقصد تقويض النظام الدستوري للبلاد أو تعريض استقلالها أو وحدتها للخطر، وتقرر عقوبات قد تصل إلى الإعدام أو السجن المؤبد. والمادة 51 تجرّم إثارة الحرب ضد الدولة في الحالات التي يحددها النص، هذه هي النصوص نفسها التي أصبحت حاضرة بكثافة في بلاغات الحرب ضد المدنيين والسياسيين والمتهمين بالتعاون مع الدعم السريع.

لكن قبل أن تستخدم سلطة البرهان المادة 50 ضد حمدوك وخالد عمر ومحمد الفكي وغيرهم، كان السودان قد شهد في 25 أكتوبر 2021 انقلاباً عسكرياً قاده عبد الفتاح البرهان ، جرى خلاله الاستيلاء العسكري على السلطة وتعطيل مؤسسات الحكم الانتقالي واعتقال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وعدد من أعضاء حكومته، الاتحاد الأفريقي تعامل مع ما حدث باعتباره تغييراً غير دستوري للحكومة، وقرر مجلس السلم والأمن تعليق مشاركة السودان في جميع أنشطة الاتحاد إلى حين استعادة السلطة الانتقالية المدنية، وهذا التعليق لم يكن عقوبة بسبب مقال صحفي أو اجتماع سياسي أو توقيع إعلان؛ وإنما كان نتيجة الاستيلاء العسكري على السلطة وتعطيل المسار الدستوري الانتقالي.

وهنا لا نتحدث عن توصيف اخترعه خصوم البرهان بعد الحرب، حتى حميدتي، شريك البرهان في انقلاب 25 أكتوبر، عاد لاحقاً ووصف الواقعة بنفسه بأنها «انقلاب 25 أكتوبر»، وأقر بمشاركته فيه وبأنه كان خطأ، ففي خطابه المنشور في فبراير 2023 قال صراحة إن من أخطائه «خطأ انقلاب 25 أكتوبر»، وأضاف أنه تبين له أن الانقلاب لم يحقق ما كان مأمولاً منه وأصبح، بحسب وصفه، بوابة لعودة النظام السابق، وهذا الإقرار السياسي لا يغني بطبيعة الحال عن التحقيق القضائي ولا يثبت وحده المسؤولية الجنائية عن جريمة بعينها، لكنه يهدم محاولة التعامل مع أصل الواقعة وكأن وصفها بالانقلاب مجرد ادعاء صادر عن خصوم البرهان وحميدتي.

وهنا يرتد نص المادة 50 نفسه إلى قلب السلطة: إذا كان تقويض النظام الدستوري جريمة، فأين التحقيق الجنائي المستقل في انقلاب 25 أكتوبر؟ وإذا كانت النيابة تعتبر نفسها ملزمة بحماية النظام الدستوري إلى درجة توجيه هذه المادة إلى سياسيين مدنيين بسبب أفعال واتصالات سياسية، فما الذي يمنعها من اختبار واقعة الاستيلاء العسكري الفعلي على السلطة وتعطيل المؤسسات الدستورية وفق النص نفسه، وتحديد المسؤولية الجنائية الفردية للبرهان وكل من خطط للانقلاب أو نفذه أو شارك فيه، وفق الأدلة والقانون؟

والمبدأ الذي لا يحتاج إلى حكم مسبق هو المساواة أمام القانون، فإذا كانت الوقائع المنسوبة إلى مدني معارض كافية لتحريك المادة 50 والتحقيق معه في تقويض النظام الدستوري، فإن انقلاباً عسكرياً أطاح بالمؤسسات الانتقالية يمثل، في الحد الأدنى، واقعة تستوجب التحقيق في مدى انطباق النص نفسه على من نفذوه، أما أن تُستخدم المادة ضد خصوم السلطة بينما لا تخضع الواقعة التي أوصلت قائد الانقلاب إلى مركز السلطة للاختبار الجنائي ذاته، فذلك يطرح سؤالاً مباشراً حول الانتقائية في تطبيق القانون.

البرهان ليس رئيساً منتخباً.. فمن أين تأتي سلطة التحكم في مصير البلاغات؟

وتزداد المشكلة تعقيداً عندما ننظر إلى الجهة التي أصدرت القرار 363، فالبرهان ليس رئيساً منتخباً للسودان بإنتخابات شرعية، ولم يصل إلى موقعه الحالي عبر انتخابات رئاسية أو نظام دستوري دائم يمنحه تفويضاً شعبياً جديداً بعد 25 أكتوبر، وهو القائد العسكري الذي قاد الانقلاب الذي ترتب عليه تعليق مشاركة السودان في الاتحاد الأفريقي، ومع ذلك، يعلن وزير العدل اليوم أن البرهان هو من أصدر قراراً يترتب عليه شطب بلاغات جنائية مقيدة بواسطة أجهزة الدولة وإسقاط اتهامات مرتبطة بخصوم سياسيين إذا عادوا للمشاركة في الحوار.

وهنا لا يعود السؤال فقط: هل يملك البرهان سلطة العفو؟ فالقانون السوداني يعرف العفو العام، كما يعرف شطب الدعوى ووقفها ورفض توجيه التهمة، وهذه مفاهيم قانونية مختلفة، وقد أثار قانونيون سودانيون بعد القرار نفسه هذه المسألة، إذ قال المحامي محمد زين إن شطب البلاغات ينعقد للنيابة أو المحكمة، مع وجود سلطة قانونية منفصلة للعفو العام، بينما أشار قانونيون آخرون إلى نصوص تتعلق بوقف الدعوى، وهذا الخلاف نفسه يؤكد ضرورة نشر الأساس القانوني التفصيلي للقرار، لأن عبارة «البرهان أصدر قراراً بشطب البلاغات» لا ينبغي أن تمر وكأن شطب الدعوى الجنائية عمل سياسي عادي يمارسه رأس السلطة متى شاء.
September 4, 2026 217