نحنُ نُقاتلُ بشراسةٍ للحفاظِ على اكتمالنا المزعوم، نتشبثُ بكلِّ جزءٍ منّا، وبكلِّ من نُحب، رعباً من فكرةِ أن يُنقصنا الغياب. تبرمجنا على أن نعتقدَ بأنَّ الفقدَ هو عمليةُ سلبٍ محضة، وأنَّ أيَّ اقتطاعٍ من أرواحنا سيتركنا مشوهين أو ناقصين للأبد. لكنَّ الفلسفةَ الأعمقَ للألم تُعلمنا مفارقةً عجيبة؛ وهي أنَّ بعضَ النقصِ هو في جوهرهِ تمهيدٌ لاكتمالٍ من نوعٍ آخر، وأنَّ الامتلاءَ الدائمَ قد يكونُ في أحيانٍ كثيرة جداراً أصمّ يحجبُ عنا الرؤية.
هناك لحظاتٌ حتميةٌ في الحياة، يتطلبُ فيها الوعيُ أن نتوقفَ عن المقاومة. أن تسمحَ للفقدِ بأن يقتطعَ ذلك الجزءَ العزيزَ من روحك، والذي تستميتُ في الدفاعِ عن بقائه، ليس دليلاً على الانهزام، بل هو أعلى درجاتِ الشجاعةِ في قبولِ دورةِ الأشياء. نحنُ بطبيعتنا البشرية نفزعُ من الفراغ، ونُسارعُ لردمِ أيِّ ثقبٍ يُحدثهُ الغياب بأيِّ بديلٍ متاح، غافلين عن حقيقةٍ كونيةٍ بسيطة: الأجسامُ المُصمتة التي لا شقوقَ فيها، هي وحدها التي لا يقوى النورُ على اختراقها.
إنَّ الثقبَ الذي يتركهُ الراحلون أو الآمالُ المبتورة في منتصفِ الصدر، ورغم فداحةِ الألمِ الذي يُرافقهُ في البداية، يتحولُ مع اتساعِ الإدراكِ إلى ممر. عبر هذا الفراغ، تتسربُ إلينا تياراتٌ من الفهمِ والوعي لم نكن لنختبرها لو بقينا على هيئتنا الأولى، آمنين ومكتملين. نحنُ نحتاجُ إلى هذا الانكسارِ الاستراتيجي لنُعيد اكتشافَ سِعةِ دواخلنا، ولنُدركَ أنَّ المساحاتِ الفارغةَ ليست بالضرورةِ مقابرَ لما خسرناه، بل هي مساحاتٌ شاغرةٌ تنتظرُ أن تُملأَ بمعنىً أكثرَ نضجاً.
في نهايةِ المطاف، التعافي الحقيقي لا يكمنُ في استعادةِ ما فُقد، ولا في إغلاقِ الثقبِ ليعودَ الجدارُ أملسَ كما كان، بل يكمنُ في السماحِ للنورِ بأن يعبرَ من خلالِ جراحنا. حين نتقبلُ الفراغ، نكتشفُ بذهولٍ أنَّ الجزءَ الذي انتزعهُ الفقدُ منا، كان هو الثمنَ الضروريَّ لتشقَّ البصيرةُ طريقها إلى الداخل، ولتُضيءَ أرواحنا بنورٍ لا يمكنُ لأيِّ طمأنينةٍ سابقةٍ أن تمنحنا إياه.
أثيل


