نحنُ نُبتلى دائماً برغبةٍ ملحةٍ في التسليم المطلق، نندفعُ نحو الطمأنينةِ وكأنها غايتنا الأخيرة، مأخوذين بوهمِ أنَّ الأمانَ الحقيقي يكمنُ في التخلي عن كلِّ حذر. لكنَّ الخطيئةَ التي نرتكبها بحقِ أنفسنا لا تكمنُ في الشعورِ ذاته، بل في ذلك العمى الإرادي الذي نُمارسه حين نُغلقُ دائرةَ الأمانِ على من نُحب، ونمحو من ذاكرتنا شكلَ المخرج تماماً، وكأننا نُصادرُ حقَّ الأيامِ في التبدل، وحقَّ النفوسِ في التغير.
إنَّ الانغماسَ في الشعورِ حقٌ مشروع للروح، بل هو ذروةُ التجربةِ الإنسانية، لكنَّ الكارثةَ تبدأ حين نعتقدُ أنَّ عمقَ الشعورِ يتطلبُ بالضرورةِ خلعَ سترةِ النجاة. نحنُ ننسى أنَّ النجاةَ ليست خيانةً للحظة، بل هي احترامٌ لقيمةِ ذواتنا التي لا ينبغي أن تُفنى بالكاملِ في ذاتٍ أخرى. أن تحتفظَ بخطِ رجعة، أو أن تُبقي عينك على الباب، ليس دليلاً على نقصانِ الصدق، بل هو إدراكٌ فلسفيٌّ عميق لهشاشةِ الثباتِ البشري. فالإنسانُ بطبيعته كائنٌ متبدل، تتغيرُ زوايا رؤيته باستمرار، وما يمنحكَ إياه اليوم من يقين، قد يسلبهُ غداً بدافعِ التغيرِ الطبيعي للأشياء.
لذلك، حين نُعلقُ آمالنا في مساحاتِ الآخرين، يجبُ أن نتعلمَ كيفَ نُرخي الحبلَ بوعي، لا أن نُفلتهُ دفعةً واحدةً في لحظةِ نشوةٍ أو اطمئنان. الإفلاتُ الكليُّ هو رهانٌ خاسرٌ على ثباتِ أرضٍ لم تُخلق لتثبت. إنَّ منتهى الوعي يكمنُ في أن تعيشَ الشعورَ بكلِّ كثافته، وأن تمنحهُ حقهُ من الصدق، لكن مع الاحتفاظِ الدائمِ بحقكَ في توقعِ الضد. هذا التوقعُ ليس تشاؤماً ولا سوءَ ظن، بل هو إقرارٌ واعٍ باحتمالات الحياة، ودرعٌ غيرُ مرئيٍّ يقي الروحَ من صدمةِ الارتطامِ متى ما تهاوت الوعود.
في النهاية، لا أحد.. مهما اتسعت مساحتهُ في نفوسنا، ومهما تجلى لنا في صورةِ الثبات، يستحقُّ أن يُؤخذَ على محملِ اليقين التام. فاليقينُ حالةٌ لا تليقُ بالبشر، وكلُّ من نمنحهُ هذه المنزلة المطلقة، نضعُ على كاهلهِ عبئاً لا يحتمله، ونضعُ أنفسنا في مهبِّ خذلانٍ مؤجل.
أثيل
7
1August 17, 2026 404 5