أثِيل: post #6125 — TG.ME

للأيامِ دورتها الخفيةُ في العبثِ بتكويننا الداخلي، ولمزاجنا المتقلبِ فلسفةٌ عصيةٌ على الترويض، لا تخضعُ لمنطقٍ ولا تعترفُ بقواعدِ الثبات. نحنُ، في جوهرنا، ساحةٌ مفتوحةٌ تتناوبُ عليها فصولُ الشعورِ دون استئذان، تحركنا التفاصيلُ الدقيقةُ التي قد تبدو للناظرِ من الخارجِ محضَ أشياءَ عادية، لكنها في عُمقِ أرواحنا تُمثلُ أزرارَ التحكمِ بكلِّ هذا الوجود.

تارةً، نجدُ الخلاصَ في طقسٍ هادئ؛ قطراتٌ تتساقطُ بإيقاعٍ موزونٍ ودقيق لتصنعَ كوبَ قهوةٍ يضبطُ إيقاعَ الروح، ترافقهُ أوراقُ كتابٍ نختبئُ بين سطورهِ من صخبِ الواقع ووحشته. في تلك اللحظة، يبدو العالمُ متصالحاً، وتتحولُ الزاويةُ التي نجلسُ فيها إلى كونٍ كاملٍ ومكتفٍ بذاته، لا نحتاجُ فيهِ إلى أكثرَ من هذا الدفء لنشعرَ بأننا على قيدِ الطمأنينة.

وتارةً أخرى، ننتزعُ الفرحَ من شاشةٍ تُضيءُ عتمةَ الغرفة، نعودُ عبرها إلى لعبةٍ من خزانةِ الذكريات؛ نخوضُ فيها معارك مألوفة، أو نبني أمجاداً افتراضية.. لا لننتصرَ حقاً، بل لنستعيدَ تلكَ النشوةَ الصافية التي تركناها هناك في الأمس. إننا نمارسُ هذا الهروبَ اللذيذ لنلتمسَ الأمانَ في أشياءَ نعرفُ نهاياتها، هرباً من واقعٍ نجهلُ كلَّ ما يخبئه لنا.

لكنَّ هذه الروح، بكلِّ ما تحملهُ من قدرةٍ على استخلاصِ الفرحِ من أبسطِ الأشياء، تظلُّ رهينةً لهشاشتها العميقة. ففي أوجِ هذهِ السكينة، وبينما نحنُ محصنونَ بقهوتنا أو بانتصاراتنا الصغيرة، قد يباغتنا شعورٌ عابر لا لونَ له ولا ملامح. مجردُ طيفٍ غيرِ مرئي، أو ربما سكونٌ مفاجئٌ يثقبُ جدارَ اللحظة، يكفي ليقلبَ الموازين بأكملها، ويُسقطنا في حزنٍ كثيفٍ لا نملكُ لهُ تفسيراً ولا لغة. حزنٌ يذكرنا بأننا لسنا سوى أوراقٍ خفيفة في مهبِّ الذاكرة.

هذه هي فلسفةُ التناقضِ التي تجعلنا بشراً؛ كائناتٌ تُعمرها التفاصيلُ الصغيرة، وتُهدمها في آنٍ واحد. نترنحُ بلا توقفٍ بين يقينِ الأشياءِ المألوفةِ التي تُسعدنا، وريبةِ المشاعر المفاجئةِ التي تكسرنا.. مُدركينَ في نهايةِ المطافِ أنَّ الحياةَ لا تُعاشُ بخطٍ مستقيم، بل بهذا التأرجحِ الدائم بين لحظةِ امتلاء، ولحظةِ فراغٍ تتركنا نتساءلُ عن حقيقةِ ما نحنُ عليه.

أثيل
❤5
August 25, 2026 25