تقبّل الله أعمالكم، وأعاد عليكم الشّهر الفضيل بالصّحّة والعافية والأمن والبركات.
من أجمل ما يمكن أن نستقبل به شهر رمضان المبارك تلك العادة العائلية الدافئة التي درجنا عليها في بيتنا، وأحببتُ مشاركتها معكم: أن تجتمع الأسرة معًا، فيجلس الأب والأم مع أبنائهما لقراءة خطبة رسول الله ﷺ في استقبال شهر رمضان، مقطعًا بعد مقطع، ثم يُفسَح المجال للأطفال ليستخرجوا المضامين بأقلامهم الصغيرة وقلوبهم الكبيرة، فيدوّنوها بطريقتهم.
بصدق، هذه الخطبة نصٌّ استثنائي؛ فهي ليست كلماتٍ تُقرأ فحسب، بل ميثاقٌ تربويٌّ وروحيٌّ متكامل لشهر رمضان. تمتاز بأنّها واضحة العبارة، عميقة المعنى، يفهمها الكبير والصغير، وتجمع بين التعريف بخصائص هذا الشهر العظيم، وبيان أبواب الخير فيه، وأهمّ الأعمال التي تُقرّب إلى الله، إلى جانب وصايا النبي الأكرم ﷺ التي ترسم طريق الصائم في علاقته مع ربّه، ومع نفسه، ومع الناس.
والأجمل أنّ هذا اللقاء العائلي يحوّل الخطبة من نصٍّ يُتلى إلى حياةٍ تُعاش:
حوار، وأسئلة، واكتشاف معانٍ، وشعور بأنّ رمضان مشروعٌ جماعيٌّ للأسرة كلّها، لا مجرّد عبادة فرديّة.
إنّه نشاطٌ مثاليٌّ لليلة الأولى أو لليوم الأوّل من الشهر المبارك، نفتح به أبواب الحديث عن فضل هذا الضيف الكريم، ونرسم معًا برنامجنا الإيمانيّ، فتدخل بركة رمضان إلى بيوتنا مع أوّل ساعاته.
رمضان مبارك، وجعلنا الله وإيّاكم من أهل هذا الشهر وخاصّته. 🌙✨
أيها الناس، إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب، فاسألوا الله ربكم بنيات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه، فإن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم، واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه، وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم، ووقروا كباركم، وارحموا صغاركم، وصلوا أرحامكم، واحفظوا ألسنتكم، وغضوا عما لا يحل النظر إليه أبصاركم، وعما لا يحل الاستماع إليه أسماعكم، وتحننوا على أيتام الناس يتحنن على أيتامكم، وتوبوا إلى الله من ذنوبكم، وارفعوا إليه أيديكم بالدعاء في أوقات صلواتكم، فإنها أفضل الساعات، ينظر الله عز وجل فيها بالرحمة إلى عباده، يجيبهم إذا ناجوه، ويلبيهم إذا نادوه، ويعطيهم إذا سألوه، ويستجيب لهم إذا دعوه.
أيها الناس، إن أنفسكم مرهونة بأعمالكم، ففكوها باستغفاركم، وظهوركم ثقيلة من أو زاركم، فخففوا عنها بطول سجودكم، واعلموا أن الله تعالى ذكره أقسم بعزته أن لا يعذب المصلين والساجدين، وأن لا يروعهم بالنار يوم يقوم الناس لرب العالمين.
أيها الناس، من فطر منكم صائما مؤمنا في هذا الشهر، كان له بذلك عند الله عتق نسمة ومغفرة لما مضى من ذنوبه. فقيل: يا رسول الله، وليس كلنا يقدر على ذلك. فقال صلى الله عليه وآله: اتقوا النار ولو بشق تمرة، اتقوا النار ولو بشربة من ماء.
أيها الناس، من حسن منكم في هذا الشهر خلقه، كان له جواز على الصراط يوم تزل فيه الأقدام، ومن خفف في هذا الشهر عما ملكت يمينه خفف الله عليه حسابه، ومن كف فيه شره كف الله عنه غضبه يوم يلقاه، ومن أكرم فيه يتيما أكرمه الله يوم يلقاه، ومن وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه، ومن قطع فيه رحمه قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه، ومن تطوع فيه بصلاة كتب الله له براءة من النار، ومن أدى فيه فرضا كان له ثواب من أدى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور، ومن أكثر فيه من الصلاة علي ثقل الله ميزانه يوم تخف الموازين، ومن تلا فيه آية من القرآن كان له مثل أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور.
أيها الناس، إن أبواب الجنان في هذا الشهر مفتحة، فاسألوا ربكم أن لا يغلقها عليكم، وأبواب النيران مغلقة، فاسألوا ربكم أن لا يفتحها عليكم، والشياطين مغلولة فاسألوا ربكم أن لا يسلطها عليكم.
قال أمير المؤمنين عليه السلام: فقمت فقلت: يا رسول الله، ما أفضل الأعمال في هذا الشهر ؟ فقال: يا أبا الحسن، أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله عز وجل...
18February 18, 2026 1.4K 6