نعم، سردية نشأة العلمانية من أجل سواد عيون «العلم»، أو لإحلال السلام في العالم ونشر التسامح، هي سردية طفولية وقصة جميلة يمكن الاستمتاع بها قبل النوم، لكنها لا تعكس في شيء حقيقة ما حدث.
الذي جرى في أوروبا لم يكن فصلًا بين الدين والدولة، بل فصلًا بين الكنيسة والدولة، أو إخضاعًا للكنيسة لسلطة الدولة. كان صراعًا على السلطة بين مؤسسة دينية ومؤسسة سياسية، بدأ منذ أن قررت الإمبراطورية تبنّي المسيحية واستعمالها أداةً لإنهاء الخلافات بين شعوب الإمبراطورية، من خلال تشييد مؤسسة تراتبية ذات سلطة حقيقية. أي إن الذي حدث لم يكن سوى تصفية لبقية الإرث الروماني على يد الدولة الوطنية الحديثة، التي لم تتقبّل تلك الازدواجية في رأس السلطة؛ فإما أن تخضع الكنيسة للدولة، أو أن يتم تحييدها بوصفها مؤسسة سلطوية.
أما المسيحية، فهي، كما وصفها مارسيل غوشيه: «دين الخروج من الدين». كل تلك السلطة التي حازتها الكنيسة لم تطلب منها المسيحية شيئًا، فهي لا تتلاءم وطبيعتها وظروف نشأتها. والمسيحي الذي يدخل السياسة لا بد أن يفقد شيئًا من مسيحيته. لهذا، حتى لو أراد أحدهم فصل المسيحية عن الدولة، فلن يجد ما يمكنه فصله.






