أحوال المقرئ مع الطالب
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وآل بيته الأطهار وأصحابه الأبرار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
أحبتنا من أهل القرآن الطيبين ولا نزكيكم على الله ولكن الله يزكي من يشاء فالحمد لله الذي اختارنا لنقل كتابه ودعانا للعمل بآياته والانقياد لأوامره ولكن العمل منوط بفهمه. وفهمه منوط بإقامة لفظه. ولفظه متعلق بخيركم من تعلم القرآن وعلمه فاكتبنا اللهم منهم واحشرنا في زمرتهم
اعلم يا رحمك الله أن معلم القرآن مع الطالب له ثلاثة أحوال لا رابع لها مبنية على رتبة الطالب السالك سبيل تعلم القرآن وهي
الأول:
الطالب الماهر بالقرآن الماهر بالأداء المتقن المدرك لحقيقة النطق بالأداء القادر على الفهم المتمكن من النطق باللفظ وقد وصفه ابن الجزرى رحمه الله بأنه "صاحب الحق الموفِّى به غير الزائد عليه". قلت ولا المنقص منه.
فمثل هذا ينبغي على الشيخ أن يأخذه بالحزم وتصحيح النطق والتقويم الحق بلا إفراط ولا تفريط وذلك عند التعليم وإذا أخطأ هذا الطالب حمله على الضبط السليم الواضح الصريح
الثاني:
الطالب المفرط _بتشديد الراء_ المقصر عن النطق السليم المتساهل الذي ينقص منه عن الأداء الصحيح والضبط السليم وربما يكون الطالب عاجزا عن بلوغ التمام ومثل هذا الطالب ينبغي على المقرئ أن يبالغ هو في اللفظ وان يطلب منه ذلك تعليما له ليعلم الطالب حقيقة النطق وكيفيته فيكون المعلم بطيئا ويميز بين الحروف ويبالغ في إظهار الأحكام بالقدر الكافي من غير خروج للحن حتى يدرك الطالب النطق السليم ويقوي عنده أعضاء النطق وفي مثل هذا الطالب قال ابن الجزري رحمه الله تعالى
" وربما بالغ الأستاذ على المتعلم في التحقيق والتجويد والمد والتفكيك ليأتي بالقدر الجائز المقصود - ثم روى بسنده - عن سليم. قال سمعت حمزة يقول: إنما أزيد على الغلام في المد ليأتي بالمعنى..." فهذا هو دواء الطالب الذي يعجز عن التوفية في يد الشيخ ويبالغ ليعلمه قال سيدنا ابن الجزري
"(فالأول) لما لم يوف الحق زاد عليه ليوفيه"
ثالثا:
الطالب المتشدد المبالغ المتكلف في نطقه المتقعر في أداءه يمط في الحركات ويبالغ في المدود وليس هذا من الإتقان في شىء بل من الزيادة على حد التجويد والإتقان ومثل هذا كالذي يلوك الطعام في فمه ظنا منه الإتقان بتحريك فمه يمينا وشمالا وتحت وفوق فينبغي على المعلم أن يمنعه ويوقفه وينقص من مبالغته ويطلب منه التهوين في القراءة وعدم المبالغة وعدم التقعر في نطقه وفي مثل هذا قال ابن الجزرى رحمه الله :
".... ،وروينا عن حمزة أيضاً أن رجلاً قرأ عليه فجعل يمد فقال له حمزة: لا تفعل أما علمت أن ما كان فوق البياض فهو برص وما كان فوق الجعودة فهو قطط وما كان فوق القراءة فليس بقراءة،..."
فعلى المقرئ منعه وتوجيهه بعدم الزيادة والمبالغة قال ابن الجزري رحمه الله تعالى
"... (والثاني) لما زاد على الحق ليهديه فلا يكون تفريط ولا إفراط،"
فرحم الله شمس القراءات ابن الجزري جمع كل هذا الكلام في بيت واحد من المقدمة فلله دره من بليغ موفق فقال
مكملا من غير ما تكلف * باللطف في النطق بلا تعسف
ومعناه اي يؤدي الأحكام كاملة وهذا هو المتقن
من غير ما تكلف باللطف في النطق اي من غير زيادة عن حد الكمال ويكون باللطف بلا مبالغة
بلا تعسف أي ومن غير نقص عن حد الكمال
فالتكلف هو اللحن بالزيادة والتعسف هو اللحن بالنقص
وليعلم الجميع أن التجويد صنعة لا مجرد رواية ونقل بل فن وصنعة تحتاج لصانع ومتقن وضابط قد يجهلها أعيان القوم ويتعجبون من أداء الشيخ إذ قد لا يدركون حقيقة ما يحتاجه الطالب مثل المقرئ المتخصص وانظر يا رحمك الله ردة فعل سفيان الثوري_ وهو من هو في الأئمة_ لما رأى حمزة يعلم أحد طلابه قال ابن الجزري
" ومثل ذلك ما روى الدوري عن سليم أنه قال: قال الثوري لحمزة وهو يقرئ: يا أبا عمارة ما هذا الهمز والقطع والشدة؟ فقال: يا أبا عبد الله هذه رياضة للمتعلم"اهـ
قلت فينبغي أن يكون المعلم طبيبا للطالب لا مجرد معلم وفاهما لما يحتاجه الطالب من دواء ليتعافى من اللحن
والعلم عند الله تعالى والحمد لله رب العالمين
آبوعبدالله المقرئ
معلم القراءات بالأزهر الشريف
غفر الله له ولوالديه ولكل المسلمين
September 5, 2026 16