مشكلة كثيرين ممن يتحسّسون من استدخال الدين في الحديث عن معالجة علل… — شريف محمد جابر — TG.ME

مشكلة كثيرين ممن يتحسّسون من استدخال الدين في الحديث عن معالجة علل النفوس وأمراضها واضطراباتها أنّهم يظنّون بأنّ معرفة "عضوية المرض" تعني أنّ الدين سيقف جانبًا وسيتولّى الطبيب النفسي العلاج، تماما كما يتولّى طبيب القلب علاج القلب المريض!

وهذه النظرة سطحية جدّا، بصرف النظر عن عدم صحّة حصر المرض النفسي بأنّه "عضوي"، وعن كون التوجّهات المعاصرة والمتنامية في الطبّ النفسي وعلم النفس تذهب إلى رؤية تركيبية تعالج مستويات متعددة لا تقتصر على "العضوي" سواء في تشخيص المرض وأسبابه أو في علاجه، بل تنظر إلى تداخل العوامل العضوية والنفسية والمعرفية والسلوكية والاجتماعية والثقافية بحسب كل حالة.

فبصرف النظر عن ذلك، فإنّ التسليم بعضوية المرض لا يدفع الدين خارجًا أيضًا، وهذا ما لا يستوعبه هؤلاء!

ولنأخذ مثالا لمرض غير نفسي تتداخل فيه العوامل العضوية مع السلوكية والنفسية والاجتماعية، كالسمنة الناتجة في بعض صورها عن قلة الحركة، والإفراط والنهم في تناول الطعام، وضعف ضبط الشهوة والعادات الغذائية أو الاسترسال في اللذائذ. فهذه السمنة مشكلة صحية ذات آثار عضوية واضحة، ولكن هل يعني ذلك أن الإسلام لم يعالجها؟

كلا، بل سنجد في نصوص الكتاب والسنة وآثار الصحابة ذخيرة كبيرة من النصوص التي تحثّ على الزهد في الدنيا، والتقليل من حصة الطعام، ورعاية البدن والاهتمام بقوّته ولياقته، وذمّ البطنة وما شابه من نصوص تشكّل بمجموعها للمؤمن العامل بها خير وقاية من السمنة في الجوانب المرتبطة بالسلوك ونمط الحياة، وإن لم تمنع أنواعا منها لا ترتبط بالضرورة بسلوك الإنسان كالوراثية أو الدوائية أو الهرمونية، لكنه مثال على مشكلة مرضية ذات جانب عضوي واضح ومع ذلك فللدين أثر كبير في الوقاية منها.

وكذلك الأمر فيما يتعلق بعلل النفوس وأمراضها واضطراباتها، لدينا اليوم ذخيرة ضخمة من الدراسات في إطار علم النفس والطب النفسي تتحدث عن المؤثرات المعرفية والاجتماعية والانفعالية والسلوكية التي تشكّل عوامل أساسية في الإصابة ببعض الاضطرابات النفسية أو زيادة أعراضها ومخاطرها، بل إنّ توجّهات الأبحاث العلمية مع مرور الزمن تتجه أكثر نحو إبراز أثر هذه الجوانب وتوسيع مساحتها في فهم الاضطرابات النفسية والوقاية منها وعلاجها، لا بإنكار العوامل العضوية أو الكيميائية أو العصبية، بل بتجاوز التصورات الاختزالية التي كانت تميل إلى منح هذه العوامل النصيب الأكبر من التفسير. فنحن أمام اتجاه علمي يخبرنا بأنّ المرض أو الاضطراب النفسي ليس مشكلة عضوية محضة كما كان يُظنّ لدى كثيرين قبل عقود، بل هو حالة مركّبة يتزايد فيها الاعتراف العلمي والسريري بأهمية الجوانب المعرفية والسلوكية والانفعالية والاجتماعية.

وهنا تماما تظهر قيمة الدين في الوقاية من كثير من الاضطرابات النفسية والمساهمة في علاجها، بوصفه موردًا من موارد المعنى والضبط والدعم والتوجيه، وهذا فقط إذا فهمنا الدين فهمًا شموليّا لا فهمًا تقليديا يجعله مجرّد عقيدة غير مؤثّرة وشعائر نمارسها.

فمادة الدين تقدّم توجيهات تفصيلية في كل ما هو معرفي وفكري وسلوكي وقيمي وانفعالي بخصوص الإنسان (وهي المجالات التي يجتهد فيها علم النفس الحديث بمختلف توجهاته لإيجاد العلاجات المختلفة لبعض الاضطرابات النفسية)، سواء كان ذلك معنى يقدّمه الدين للإنسان فيجعله أكثر صلابة في مواجهة الصدمات، أو ضوابط للسلوك تمنع الإنسان من الاسترسال في ما يزيد الاسترسال فيه من مخاطر الإصابة بعلل كالإدمان والانحراف، أو توحيدًا وأذكارًا وأدعية وتلاوة متدبّرةً للقرآن تقوّي قلبه وتسلّمه من الآفات وتحصّنه من الوساوس والنزغات... وغيرها.

مهمة الدين الأساسية أنّه يضع لك بوصلة تفكيرك ووجدانك ومعناك، ويقدّم لك رسالة تعمل من أجلها في الحياة، ويضبط سلوكك وتصرّفاتك بما يقيك من الآفات الموقعة في العلل، ويجعلك أصلب في مواجهة المصائب والصدمات التي قد ترتبط - بحسب شدّتها واستعداد الإنسان - باستجابات فسيولوجية وعصبية وهرمونية تؤثّر في مسار الاضطراب النفسي.

ومن هنا، فالإقرار بالأسباب أو الآثار العضوية للاضطرابات النفسية لا ينفي أثر الدين المركزي، ولا الأسباب المعرفية والشعورية والغيبية، والنظرة السطحية فقط هي التي تنشئ جدار الفصل بينهما!
❤23👍8
July 8, 2026 5K 16