بين سعد الدين العثماني ومحمد قطب على سيرة الأستاذ محمد قطب رحمه الله… — شريف محمد جابر — TG.ME

بين سعد الدين العثماني ومحمد قطب

على سيرة الأستاذ محمد قطب رحمه الله فدائما كنت أعتقد أن هذا الأستاذ الكبير مظلوم، من التيّار الإسلامي قبل غيره! دع عنك العلمانيين والمداخلة الذين هم أذناب الطغيان.

هناك الكثير مما يقال عن محمد قطب وعن كتاباته وهو ليس صحيحًا، كالزعم بأنّه غير مواكب علميّا في المواضيع التي يتحدث عنها.

وقد استمعت أمس لمقطع من لقاء مع الدكتور سعد الدين العثماني، والذي جاء ضمن تعريفه أنّه "طبيب نفسي"، زعم فيه أنّ ما كتبه محمد قطب في "دراسات في النفس الإنسانية" رغم أنّ فيه أمورًا جيّدة ولكنه – بحسب قوله – فيه "أمور مبنية إما على معلومات قديمة تجاوزها حتى الفكر الغربي ونُشرت في بداية القرن العشرين، مثلا نعتبر علم النفس الغربي كله مدرسة فرويد/التحليل النفسي، وهذا غير صحيح". هكذا قال العثماني.

وقد تعجّبت من فداحة هذه الفرية، ذلك أنّ الأستاذ محمد قطب حين نقد مدرسة التحليل النفسي كان ذلك في أول كتبه عام 1951، حين كانت مدرسة التحليل النفسي الفرويدية في أوج هيمنتها على العيادات النفسية، ومع ذلك فقد ذكر معها المدرسة التجريبية التي تستخلص معلوماتها عن طريق المعمل.

فالذي يسمع العثماني يقول هذا الكلام عن محمد قطب يظن الرجل يكتب الآن أو قبل سنوات في نقد فرويد ويراه كل العلم النفسي، ولا ينتبه إلى أنّ نقده لفرويد كان في مطلع خمسينيات القرن الماضي دون أن يقتصر عليه كما ذكرت!

ولذلك نجد محمد قطب يقول في كتابه "حول التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية" الذي كتبه في تسعينيات القرن الماضي (ص 162):

"لقد ذهب فرويد مؤسس هذا العلم، وذهب الاهتمام الذي كان قائمًا حوله حتى الستينيات من هذا القرن في الغرب".

فالرجل مواكب لما يحل في هذا المجال، وإنْ كان ينبّه إلى استمرار أثر فرويد في العلاجات النفسية المعاصرة، وهذا ما لا ينكره متابع.

بل أكثر من ذلك، فقد وجدت عند محمد قطب ومنذ عهد مبكّر استشرافًا صادقًا حول مآل الدراسات النفسية، إذ يقول في كتابه "دراسات في النفس الإنسانية" (الذي كتبه في ستينيات القرن الماضي) بعد ذكر بعض مدارس علم النفس (ص 10):

"وربما كان علم النفس التكاملي أقرب إلى الصواب في هذا الباب".

وهي إشارة استشرافية ذكية، ذلك أنها قيلت في عصر كانت تتنازعه مدرسة التحليل النفسي والسلوكية التجريبية بشكل أساسي، ثم جاءت بعد ذلك مدارس أخرى كالمعرفية وغيرها، ولم يتبلور توجه تكامل العلاجات النفسية إلا لاحقا منذ الثمانينيات مع SEPI (جمعية استكشاف التكامل في العلاج النفسي).

فأن يقول رجل هذا الكلام في ستينيات القرن الماضي في العالم العربي هو دليل سعة اطلاع ومواكبة، بخلاف الصورة التي حاول العثماني لصقها به!

والمشكلة أنّ كثيرًا من الناس يسمعون مقطعا كهذا فينشئ عندهم صورة سلبية عن محمد قطب، وربّما ردّدها بعضهم دون أن يكلّف نفسه بمراجعة كتبه، مما يؤكّد أنّنا مصابون بأزمة كبيرة في طريقة التعاطي العلمي، وخصوصا أولئك الذين يتبجّحون بالعلم وضرورة مواكبة الدراسات العلمية الحديثة، وهم عاجزون عن ممارسة أبسط قواعد المنهج العلمي في التوثّق!
❤31👍15
July 7, 2026 4.1K 17