السِّياسة بِلغة النَّاس الوجه القبيح للإصلاح: إصلاح من أجل الكرسي ليس… — منتدى قضايا الثورة — TG.ME

السِّياسة بِلغة النَّاس
الوجه القبيح للإصلاح: إصلاح من أجل الكرسي

ليس كل ما يُسمّى إصلاحًا يكون في جوهره إصلاحًا حقيقيًا. فكثيرًا ما تُطرح قرارات وسياسات تحت هذا العنوان، وتبدو في ظاهرها إيجابية، لكنها في حقيقتها تبقى محدودة، لا تعالج أصل المشكلة، بل تكتفي بتحسين الصورة أو تهدئة الأوضاع لفترة مؤقتة.

قد يجتهد بعض المسؤولين، ويحققون نتائج في جوانب معينة، لكن هذا الجهد يبقى ناقصًا إذا لم يكن جزءًا من رؤية واضحة وشاملة. وعندها يتحول الإصلاح إلى إنجاز جزئي أو شخصي، لا إلى تغيير حقيقي يعالج جذور الأزمات.

فمثلًا قد تظهر خطوات مثل منح بعض الحقوق جزئيًا أو عقد اتفاقيات هنا وهناك، هي في ظاهرها تحمل مسمى “الإصلاح والنهضة”، لكن الإشكال يكون عندما تبقى منفصلة عن الجذور، غير مبنية على منهج عام أو مرجعية واضحة، فتغدو هذه الصور كلها بمثابة حلول مؤقتة لا تقوم على أساس متين ولا على رؤية واضحة تخدم مصالح الأمة.

وهنا يأتي الميزان القرآني ليسلط الضوء على كل من يدعي الإصلاح ظاهريًا؛ قال تعالى:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ}

تُبيّن هذه الآية أن المشكلة ليست في الشعارات ولا في النوايا المعلنة، بل في الأساس الذي يقوم عليه الفعل. فقد يظن الإنسان أنه يُصلح، ويُقنع غيره بذلك، بينما يكون فعله في حقيقته إفسادًا، لأنه لم يُبنَ على مرجعية صحيحة، ولم يلتزم بضوابط العدل.

ولهذا، فالعبرة ليست بما يبدو من نتائج آنية ولا بما يُقال في المؤتمرات وفي القمم والاجتماعات، بل بالمنطلق الذي بُني عليه هذا “الإصلاح” المزعوم.
هل هو في حقيقته يحفظ مصالح الأمة ويحقق لها النهضة الحقيقية؟ أم أنه قائم على اعتبارات مؤقتة ومصالح ضيقة لا تلبث أن تطفأ نارًا هنا حتى توقد نارًا هناك؟

ولتقريب الصورة، يمكن النظر إلى بعض التجارب التاريخية التي رُفعت فيها شعارات كبيرة على أنها لمصلحة الشعوب، بينما كانت تخدم تثبيت السلطة. فمثلًا، في كثير من الأنظمة التي رفعت شعار “حماية الوحدة الوطنية” أو “حماية الدولة من الأخطار”، تم توسيع صلاحيات الحاكم، وتقييد الحريات، وإقصاء المعارضين، وكل ذلك تحت عنوان حماية المصلحة العامة. ومع مرور الوقت، تبيّن أن هذه الإجراءات لم تكن تبني استقرارًا حقيقيًا، بل كانت تعزّز بقاء السلطة وتقلّص دور المجتمع.

هذا المثال يوضّح الفكرة: قد تُقدَّم القرارات على أنها ضرورة لحماية الناس أو وسيلة لتحقيق مصالحهم، لكنها في حقيقتها تخدم بقاء الحكم وتثبيت جذوره وتلميع صورته أمام المجتمع الدولي والقوى الخارجية، لا بناء واقع سليم يخدم مصلحة الشعب ويتفق مع تصوراته وأفكاره.

ومن هنا، على المسلم أن يكون يقظًا، ينظر إلى الأمور بعين الفهم، لا بعين الظاهر فقط. يدرك الصورة العامة، ولا يكتفي بالتفاصيل الجزئية، ويحافظ على استقلاله الفكري، فلا تُفرض عليه القناعات المنتشرة في الفضاء دون وعي وتمحيص.

فالوعي هو الذي يُمكّن الإنسان من التمييز، ويجعله يرى ما وراء الشعارات، ويفرق بين إصلاحٍ حقيقي يعالج المشاكل باقتلاعها من جذورها واستئصالها تمامًا واستبدالها بمشروع نهضة حقيقي يستثمر الطاقات والموارد وينهض بالشعوب ويبني دولة مكتفية ذاتيًا على جميع الأصعدة، وبين إصلاحٍ يبدو كذلك فقط في عين من اختار أن يخضع لأفيون الحلول المؤقتة التي آن لنا التوقف عن استهلاكها بشره، وآن لنا بعد كل هذه التجارب أن نعي أنها – في إطار البناء الحقيقي – ليست إلا حلولًا زائفة لا تسمن ولا تغني من جوع، لا تحل المشاكل جذريًا وإنما تؤخرها لإظهارها لاحقًا ولفت النظر إليها لتكتمل حلقة التغفيل الممنهج الذي لا يترك مجالًا لعمل بناء حقيقي ينطلق من مرجعية واضحة تكون هي الأساس في النهضة الصحيحة، فتقود الناس إلى صلاحهم وإلى ما يطمحون إليه في الدولة من اكتفاء واستقرار.



#منتدى_قضايا_الثورة
#السياسة_بلغة_الناس
#السلطة_والإصلاح
#التغيير_الجذري
❤1
August 28, 2026 49